﴿لِتعْلموا عدد اَلسنِين والْحساب﴾

  • — الأربعاء يوليو 19, 2023

قال الله في محكم كتابه العزيز : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)} [يونس].

لِمَا قَرَّر اَللَّه تَعالَى رُبوبيَّته وإلَّهيته – فِي اَلآيَة اَلتِي قَبِلهَا – ؛ ذِكْر اَلأدِلة العقْليَّة الدَّالَّة على ذَلِك ، وَعلَى كَمالِه فِي أسْمائه وصفاته ؛ مِن الشَّمْس والْقَمر ، والسَّموات والْأَرْض ، وجميع مَا خلق فِيهمَا مِن سَائِر أَصنَاف المخْلوقات . فَاَللَّه هُو اَلذِي جعل الشَّمْس مُضيئَة فِي النَّهَار ، وَصيَّر القمر مُنيرًا فِي اللَّيْل ، وَقدَّر سَيرُه فِي مَنازِل ؛ لِتعْلموا – أَيهَا النَّاس – عدد اَلسنِين ، وتعلَّموا حِسَاب اللَّيالي والشُّهور ، لَم يَخلُق اَللَّه ذَلِك إِلَّا بِالْحقِّ ، يُبيِّن اَللَّه اَلحُجج والْأدلَّة والْبراهين لِقَوم يعْلمون .
وَإِن فِي تَعاقُب اللَّيْل والنَّهار ، وَفِي كُلِّ مَا خلق اَللَّه فِي السَّموات والْأَرْض ، لِأدلَّة وَاضِحة على الخالق – جلَّ وَعلَا – ، وَعلَى ثُبُوت اَلمرْجِع إِلَيه يَوْم القيامة ، لِقَوم يَتقُون غضب اَللَّه وعقابه . فَهذَا اِسْتدْلال على اِنْفراده تَعالَى بِالتَّصرُّف فِي المخْلوقات ، وَهذَا لَوْن آخر مِن الاسْتدْلال على الإلهيَّة ، مَمزُوج بِالامْتنان على المحجوجين بِه .

ومن الفوائد التَّرْبويَّة والْعلْميَّة واللَّطائف فِي الآيتيْنِ الكريمتيْنِ :

1 – فِي هَذِه الآيَات اَلحَث والتَّرْغيب على التَّفَكُّر فِي مخْلوقات اَللَّه ، والنَّظر فِيهَا بِعَين الاعْتبار ؛ فَإِن بِذَلك تَنفَتِح البصيرة، ويزْدَاد الإيمان والْعَقْل ، وتقْوى القريحة ، وَفِي إِهمَال ذَلِك تَهاوُن بِمَا أمر اَللَّه بِه ، وإغْلَاق لِزيادة الإيمان ، وَجمُود لِلذِّهْن والْقريحة .
2 – تَنوِيه بِفَضل العلم ، وَكوَّن الإسْلام دِينًا عِلْميًّا لََا تقْليديًّا ؛ وَلذَلِك قَفَّى على هَذِه الآيَات السَّماويَّة فِي الشَّمْس والْقَمر بِآية مُذَكرَة بِسائر الآيَات السَّماويَّة والْأرْضيَّة ، فَقَال تَعالَى : {أنَّ فِي اِختِلاف اللَّيْل والنَّهار ومَا خَلْق اَللَّه فِي السَّماوات والْأَرْض لِآيات لِقَوم يَتقُون} .
3 – قَوْل اَللَّه تَعالَى : {هُو اَلذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء والْقَمر نُورًا وقدْره مَنازِل لِتعْلموا عدد اَلسنِين والْحساب} هَذِه اَلآيَة أَصْل فِي عِلْم المواقيتِ والْحساب ومنازل القمر والتَّاريخ، وأنَّ مَعرِفة ضَبْط التَّاريخ نِعْمَة أَنعَم اَللَّه بِهَا على البشر . .
4 – سَمَّى سُبْحانه الشَّمْس سِراجًا وضياء ؛ لِأنَّ فِيهَا مع الإنارة والْإشْراق تسْخينًا وإحْراقًا ، فَهِي بِالنَّار أَشبَه ، بِخلاف القمر ؛ فَإنَّه لَيْس فِيه مع الإنارة تَسخِين ، فَلِهذَا قال : {جَعْل الشَّمْس ضِيَاء والْقَمر نُورًا} .
5 – قال تَعالَى : {وقدْره مَنازِل} وَقَال أيْضًا : {والْقَمر قدَّرْنَاه مَنازِل حَتَّى عاد كالْعرْجون الْقدِيم} [ يس : 39 ] فخصَّ القمر بِذكْر تَقدِير المنازل دُون الشَّمْس ، وَإِن كَانَت مَقدِرة المنازل ؛ لِظهور ذَلِك لِلْحِس فِي القمر ، وَظهُور تَفاوُت نُوره بِالزِّيادة والنُّقْصان فِي كُلِّ مَنزِل ؛ وَلذَلِك كان الحسَاب القمَريُّ أَشهُر وَأعرِف عِنْد اَلأُمم ، وأبْعد مِن الغلط ، وَأصَح لِلضَّبْط مِن الحسَاب اَلشمْسِي ، ويشْتَرك فِيه النَّاس دُون الحسَاب اَلشمْسِي ؛ وَلِهذَا قال تَعالَى فِي القمر : وقدْره مَنازِل لِتعْلموا عدد اَلسنِين والْحساب ولم يَقُل ذَلِك فِي الشَّمْس ؛ وَلِهذَا كَانَت أَشهُر اَلحَج والصَّوْم ، والْأعْياد ومواسم الإسْلام ، إِنَّما هِي على حِسَاب القمر وَسيرِه وَنزُوله فِي مُنَازلَة ، لََا على حِسَاب الشَّمْس وَسيرِها ؛ حِكْمَة مِن اَللَّه وَرحْمَة وحفْظًا لِدينه ، لِاشْتراك النَّاس فِي هذَا الحسَاب ، وَتَعذَّر الغلط والْخَطأ فِيه ، فلَا يَدخُل فِي الدِّين مِن الاخْتلاف والتَّخْليط مَا دخل فِي دِين أَهْل الكتَاب. [الدُّرر السَّنيَّة]

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبة أجمعين.