مر بالإنسان (أو الإنسانية) على مدى العصور الفائتة حوادث ومواقف تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ بما فيها من غرائب وعجائب؛ فبينما الإنسان آمناً مطمئناً، إذا بالوضع يتغير تغيُّراً كاملاً في شتى نواحيه في لحظات؛ كان يأمر وينهى والكل يسمع ويطيع، في مشهد مألوف، لا تشير الأحوال المحيطة به إلى أي تغييرات أو تحوُّلات على المدى القريب؛ إذا به يتغير تغيُّراً كاملاًَ في أيام معدودات؛ وكأنه من قَبِيل الأحلام وليس الواقع المحسوس!
هذه المشاهد متكررة على مدى التاريخ الإنساني في بُعدَيه (الزماني والمكاني)، منذ استقر أبينا آدم -عليه السلام- على الأرض بعد أن وسوس الشيطان له وزجه؛ إلا أن هذه المشاهد لا يلتفت الكثير من الناس إلى علة ذلك حتى يكون عظة لغيره؛ ومما جاء في التاريخ أن جعفر بن يحيى البرمكي قال لأبيه وهما في القيود ولبس الصوف والحبس: يا أبت! بعد الأمر والنهي والأموال العظيمة [أي التي كنا فيها] أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس؟
فقال له أبوه: يا بني! دعوةُ مظلومٍ سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها، ثم أنشأ يقول:
ربَّ قومٍ قد غدوا في نعمةٍ … زمناً، والدهرُ ريانٌ غدقْ
سكتَ الدهرُ زماناً عنهُمُ … ثم أبكاهم دماً حينَ نَطَقْ
قلة من الناس يتعظون مما يمر بغيرهم ويحاولون تلافي أسباب تحول الأحوال وتبدلها، وذهاب النعم وحلول النقم، فيبتدرون ذلك قبل أن يَفْجَأهم؛ وهؤلاء هم أصحاب القلوب الحية التي تدرك ما لا تدركه العيون ممن أراد الله – تعالى – سعدهم وفلاحهم، وينطبق في حقهم القول المأثور: “السعيد من وُعِظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه”؛ فهي تتعظ مما يمر بغيرهم وتتلافي أسباب حلول النقم وذهاب النعم.
لقد مرت ببعض الأمم (الدول) بتحوُّلات وتغيُّرات جذرية لم يكن تصوُّر وقوعها – حتى في مجال الأحلام والمنامات – ممكناً، ولكنَّ سنن الله غلاَّبة، ومن يغالبها غلبته وهزمته ثم ألقته مذموماً مدحوراً؛ وقد حكى القرآن الكريم قصة يهود بني النضير عندما أخرجهم الله – سبحانه وتعالى – من المدينة وهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ثم عقب عليها بقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر: ٢]؛ أي تفكَّروا يا أصحاب الفهوم والألباب في عاقبة من خالف أمر الله وخالف أمر رسوله، وكذَّب كتابه؛ كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.
فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ؛ ولْيتعظ كل إنسان مما مر أمامه حوادث الزمان؛ وليمتنع عن ظلم نفسه، وظلم غيره، ويمنع الظلم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فلا يأتيه زمن يذهب ما لديه من النعم وتحل عليه النقم فيندم … ولات حين مندم.
نسأل الله السلامة والعافية.
اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي.
