سئل الحسن بن سهل -رحمه الله- ما حد العقل؟ فقال: الوقوف عند الأشياء قولاً وفعلاً.
وقال طاوس -رحمه الله-: ما قلادة نظمت من در وياقوت بأزين لصاحبها من العقل، ولو ناصح المرء عقله لأراه ما يزينه مما يشينه، فالمغبون من أخطأ حظه من العقل.
وقيل: هو ادرك الأشياء على ما هي عليه من حقيقة معانيها وصحة مبانيها.
وسئل آخر فقال: الاصابة بالظنون، والتلمح فيما كان وما يكون ومراده في القسم الثاني التجربة.
وقيل ما مقدار العقل؟ فقالوا: ما لم ير كاملاً في أحد فلا يعرف له مقدار.
وقالوا: لكل شيء غاية وحد، والعقل لا غاية له ولا حد، ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطيب.
واختلف الحكماء أيضاً في توصيف ماهيته كما اختلفوا في حده
فقالوا : هو نور وضعه الله طبعاً وغرزه في القلب كالنور في العين، وهو البصر؛ فالعقل نور في القلب، والبصر نور في العين، وهو ينقص ويزيد، ويذهب ويعود، وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور، كذلك يدرك بنور العقل كثير من المحجوب والمستور، وعمي القلب كعمي البصر، قال الله تعالى: {فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور}، قال الخليفة الراشد علي بن ابي طالب-رضي الله عنه- :«ليس الأعمى من عمي بصره، ولكن الأعمى من عميت بصيرته».
قال أبو هريرة-رضي الله عنه-: لو ازددت كل يوم مثقال ذرة من عقل ما باليت ما فاتني من أنواع التطوع.
وقال وهب -رحمه الله-: مثل العقلاء في الدنيا مثل الليل والنهار، لا تقوم الدنيا إلا بهما فكذلك المرء في الدنيا لا حظ له إلا إذا كان عاقلاً.
وقالوا إذا كان العقل في النفس اللئيمة كان بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة؛ ينتفع بثمرها على خبث المغرس فاجتن ثمر العقل وإن أتاك من لئام الأنفس.
وقال التابعي سعيد بن جبير -رحمه الله- لم تر عيناي أفضل من فضل عقل يتردى به الرجل، إن انكسر جبره، وإن صرع انعشه، وإن ذل أعزه، وإن اعوج أقامه، وإن عثر أقاله، وإن افتقر أغناه، وإن عرى كساه، وإن غوى أرشده، وإن خاف أمنه، وإن حزن أفرحه، وإن تكلم صدقه، وإن أقام بين ظهراني قوم اغتبطوا به، وإن غاب عنهم أسفوا عليه، وإن بسط يده قالوا جواد، وإن قبضها قالوا مقتصد، وإن أشار قالوا عالم، وإن صام قالوا مجتهد، وإن أفطر قالوا معذور.
قال الناظم:
وأفضل قسم الله للمرء عقله … فليس من الخيرات شيء يقاربه
يزين الفتى في الناس صحة عقله … وإن كان محظوراً عليه مكاسبه
وشين الفتى في الناس قلة عقله … وإن كرمت أعراقه ومناسبه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله … فقد كملت أخلاقه ومآربه
وآخر
يعدّ رفيع القوم من كان عاقلاً … وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حل أرضاً عاش فيها بعقله … وما عاقل في بلدة بغريب
هذا ما تيسر من “الكلام الرائع الرائق … فيما يمتاز به العاقل من المائق”.
والله تعالى هو الأعلم.
[غرر الخصائص الواضحة – المجلد 1 – الصفحة 108 – جامع الكتب الإسلامية]
