في عصر المعلومات، من السهل التلاعب بالمعلومات وتحويلها إلى سلع، والمضاربة بها تُسيطر على العالم؛ فمنذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام ٢٠٠٨، أدرك المستثمرون أن بإمكانهم تحقيق عوائد أكبر من المبالغة في الدعاية والضجيج مقارنةً بأي نوع من الأعمال الأخرى، وهو ما أدى إلى فقاعة “الدوت كوم”، وأزمة الائتمان عام ٢٠٠٨، وفقاعة العملات المشفرة بين عامي ٢٠١٦ و٢٠١٧، وتكرار فقاعة العملات المشفرة بين أواخر ٢٠٢٠ و٢٠٢١، وفقاعة الرموز غير القابلة للاستبدال عام ٢٠٢٢، وكانت آخر صيحة هي فقاعة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يبدو قاربت على الانفجار.
ورغم أنه يُوجَّه ما يقرب من نصف استثمارات القطاع الخاص في العالم نحو الذكاء الاصطناعي، وتُعَدُّ تكهنات الذكاء الاصطناعي القوة الدافعة الرئيسية وراء النمو الأخير لمؤشر ستاندرد آند بورز 500. ولكن، كما حصل لغيرهم قبل فشلهم الكارثي، فهناك بوادر تُظهِر أن فقاعة الذكاء الاصطناعي على وشك الانفجار.
مشكلات كبيرة جداً
من المعروف، أن أشياءٌ مثل حدود الحوسبة الفعّالة، وتخمين “فلوريدي” تعني أن نماذج الذكاء الاصطناعي التي لدينا الآن هي في أفضل حالاتها تقريبًا.
وحتى لو أنفقت OpenAI تريليونات الدولارات لزيادة حجم نماذجها عشرة أضعاف، فلن يكون أداؤها أفضل إلا بقدر ضئيل جداً، ويُعدّ الإصدار الأخير من ChatGPT-5 مثالاً واضحاً على ذلك، فقد استثمر فيه بيانات وتدريباً وأموالاً أكثر بكثير من أخيه الأصغر ChatGPT-4، ومع ذلك فهو أفضل منه بشيء قليل.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، في وضعها الحالي، ليست مفيدة استثمارياً؛ حيث وجد تقرير لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن 95% من تجارب الذكاء الاصطناعي لم تُحسّن أرباح الشركة أو إنتاجيتها.
بالنسبة للـ 5% التي حسّن فيها الذكاء الاصطناعي، جرى حصره في وظائف إدارية خلف الكواليس، شديدة التقييد، وحتى مع ذلك، لم تكن هناك سوى تحسينات طفيفة.
كما وجد تقرير METR أن أدوات برمجة الذكاء الاصطناعي تُبطئ المطورين بالفعل؛ إن عدم دقة هذه النماذج يعني أنها تُسبب أخطاءً برمجية غريبة جدًا، يصعب اكتشافها وتصحيحها…منطقيًا، من الأسرع والأرخص تكليف مطور بشري للقيام ببرمجتها بنفسه.
حتى أن بعض الأبحاث وجدت أن الذكاء الاصطناعي قد زاد من عبء العاملين بنسبة 77%، وليس من إنتاجيتهم؟!!
وفي الوضع الحالي، يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي عرضة للأخطاء بشكل كبير، مما يحول دون تحقيق زيادات ملموسة في الإنتاجية أو الربحية في الغالبية العظمى من حالات الاستخدام.
بعبارة أخرى، لكي تُحقق نماذج الذكاء الاصطناعي التوقعات التي تُحرك استثماراتها الضخمة، يجب أن تُصبح أفضل بكثير من وضعها الحالي، وهذا يتطلب إنفاق أموال طائلة.
المشكلة الضخمة الأخرى هي المستثمرين، وبنوك الاستثمار اصحبوا يحذرون من فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ بالنظر مثلاً إلى شركة OpenAI، التي تمتلك أكبر قاعدة عملاء بين شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تزال تتكبد خسائر فادحة مقابل كل باقة من باقاتها التي تبلغ تكلفتها 200 دولار شهريًا؛ يبدو أنهم سيضطرون إلى بيعها بسعر يقارب 2000 دولار شهريًا لتحقيق التعادل.
لقد أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى، بدعم من رأس المال الاستثماري وبنوك الاستثمار، مئات المليارات من الدولارات سنويًا على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية. ومع ذلك، فإن هذه التكنولوجيا يبدو وصلت إلى حدودها القصوى ولا يمكنها التحسن، كما أنها بعيدة كل البعد عن تحقيق الربحية.
إنها فقاعة مثالية، حيث تُنفق مبالغ طائلة لدعم تكهنات لا أساس لها من الصحة وكاذبة تمامًا.
والآن، مع خيبة أمل GPT-5، وإعادة هيكلة Meta وتقليلها من أهمية قسم الذكاء الاصطناعي التابع لها، وتهديد أسعار الفائدة بالارتفاع، فإن المستثمرين أنفسهم الذين ساهموا في تضخيم هذه الفقاعة يحذرون من أنها ستنفجر.
تمويل النمو بالديون
تشير “بلومبرغ” إلى عدة إشارات بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي منها عدم تحقيق الشركات عوائد، ورغم ذلك تلجأ إلى الديون الضخمة لتمويل هذه الطفرة، وعلى سبيل المثال اقترضت شركة “ميتا” 26 مليار دولار لبناء مركز بيانات في ولاية لويزيانا الأميركية، مشيراً إلى أن النمو في القطاع عن طريق الديون يجعله هشاً.
حتى جولدمان ساكس، التي استثمرت مبالغ طائلة في فقاعة الذكاء الاصطناعي، حذّرت من أن فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر قريبًا على الأرجح، وعندما يحدث ذلك، ستُدمّر معها فقاعة مراكز البيانات، مُلحقةً أضرارًا جسيمة ليس فقط بـ xAI وMeta وGoogle وAnthropic وOpenAI، بل أيضًا بالشركات الأخرى مثل Amazon وOracle وNvidia التي تُوفّر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
بعبارة أخرى، عندما تنفجر هذه الفقاعة، ستُلحق ضررًا لا يُصدّق بكلّ خبير تقنيّ غريب الأطوار ورجل ماليّ مُتعثّر تعرفه.
الخطة البديلة لتجنب الكارثة الاقتصادية
الأمرٌ المؤسفٌ أن شركات التكنولوجيا الكبرى لديهم خطة لتجنّب هذه الكارثة الاقتصادية التي صنعها الإنسان تقسه؛ فقاعة جديدة هي “أجهزة الحاسوب الكمّية”، ورواد التكنولوجيا يتوقون إلى أن ينضمّ إلى هذه موجة الضجيج الجديدة… فقد تعلَّموا هذا الأمر جيداً، ولذلك هم يُطوِّرون الآن قافلةً جديدةً لينطلقوا بها نحو سحب أموال التمويل، ومُستعدين للوقت الذي سيضطرون فيه -حتمًا- إلى التخلي عن هذا المسار؛ لكن -فيما يبدو- حتى الآن أن هذا الطريق مسدودٌ أكثر من الذكاء الاصطناعي!
[Substack]
