الفطرة المستقيمة إذا لامست شغافَ القلب الحي طاشت معها موازين الجدل والتقليد والمعارضات العقلانية؛ فإن نور الفطرة يدعم أنوار الوحي، ويمهد لقبوله في قلوب العباد على جناح التسليم والاستسلام.
روي عن أبو جعفر الهمذاني الحافظ -رحمه الله-، أنه قال : سمعت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني -رحمه الله-[1] وقد سُئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه: 5]، فقال: “كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان”. وجعل يتخبّط في الكلام؛ نَفْيَ علو الله عز وجل على خلقه -علو الذات-، وأنَّ المراد بذلك علو القهر وعلو القدر.
فقال أو جعفر الهمذاني: قد علمنا ما أشرت عليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟
فقال أبو المعالي الجويني: ما تريد بهذا القول؟ وما تعني بهذه الإشارات؟
فقال أبو جعفر الهمذاني: أخبرني عن هذه الضرورة التي أجدها في نفسي، ما قال عارف قط: يا ربّاه، إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد، لا يلتفت يَمْنَةً ولا يسرةً، يطلب العلو -يقصد النظر إلى السماء- إذا احتجت إلى الله عز وجل، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلةٍ؟! فنبئِّنا نتخلص من الفوق والتحت.
فضرب أبو المعالي الجويني بكمِّه، وصاح بالحيرة، وخرق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل ولم يُجِبني إلا بـ: يا حبيبي، الحيرة الحيرة، والدهشة الدّهشة الدّهشة، حَيَّرَنِي الهمذاني، حيَّرَني الهمذاني[2].
فهذا استدلال بدليل الفطرة المغروس في الناس، وكان هذا الموقف تنبيهًا لأبي المعالي -رحمه الله- لمراجعة نفسه فيما يقرره من أمر علو الله تعالى؛ فأبو جعفر الهمذاني قد تكلَّم بلسان الحكمة، فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة، بخلاف الإقرار بعلوِّ الله على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء، فإن هذا أمرٌ فطريٌّ ضروريٌّ، نجده في قلوبنا، نحن وجميعُ من يدعو الله تعالى، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟!
الخلاصة… إذا أشرقت شمس الفطرة وحججُها في قلب العبد فَعَلتْ به الأفاعيل، وأعملت فيه انتباهة لما كان عنه غافلًا، ومهّدت قلبه ليَقَرَّ فيه معين الوحي الروي وسلسبيل الفطرة النقي.
والله تعالى هو الأعلم والهادي إلى سواء السبيل.
[1] هو إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني، ثم النيسابوري، الشافعي، وأبو جعفر الهمذاني من بقية السلف والأثبات… وكان من أئمة أهل الأثر.
[2] وقد رواها عنه الحافظ محمد بن طاهر المقدسي([1]) (ت: 507هـ) ، وذكرها ابن تيمية([2]) (ت: 628هـ)، والذهبي([3]) (ت: 748هـ)، وابن القيم([4]) (ت: 751هـ).
