في العالم الواقعي، الذكاء الاصطناعي ليس أداةً مفيدةً كما يروج لها، فقد وجدت دراسة حديثة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن 95% من طياري الذكاء الاصطناعي قد خفّضوا الإنتاجية؛ بالكاد يستطيع تنظيم مكتب خلفي، لكن هذا ليس ما يجعله خطيرًا.
هناك احتمال كبير جدًا أن يُدمّر الاقتصاد من الأعلى إلى الأسفل، وليس من الأسفل إلى الأعلى… لكن كيف؟
هل تتذكرون الفترة المحورية التي سبقت الأزمة المالية عام ٢٠٠٨ “لحظة البيع على المكشوف الكبيرة Big Short Moment”، عندما أدرك بعض المستثمرين أن سوق الإسكان الأمريكي قائم على كذبة، فقرروا “البيع على المكشوف” أو المراهنة ضدها.
تميزت تلك اللحظة باكتشاف أن الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري ذات العائد المرتفع، على الرغم من تصنيفها على أنها آمنة، كانت مبنية على أساس رهون عقارية متزايدة الخطورة ومتعثرة.
وقام اللاعبون الرئيسيون، مثل مايكل بيري الذي أدرك أن انهيارًا كاملًا للسوق وشيك، بـ”البيع على المكشوف الكبير” من خلال المراهنة ضد النظام من خلال أداة مالية تُسمى مبادلة مخاطر الائتمان. الآن نحن نمر بتلك اللحظة مع الذكاء الاصطناعي.
لقد شرحتُ سابقًا سبب انهيار صناعة الذكاء الاصطناعي، وكيف سيؤثر ذلك على الاقتصاد عند انفجارها. في الأساس، لا تُحقق أي شركة ذكاء اصطناعي أو بنية تحتية للذكاء الاصطناعي أرباحًا. جميعها تُعاني من خسائر فادحة. ولذلك، تلجأ هذه الشركات إلى تمويل الأسهم (بيع أسهم الشركة) أو تمويل الديون (اقتراض الأموال) للحفاظ على استمرارية أعمالها.
ومع ذلك، وبسبب المفهوم المُتصوَّر عن سباق الذكاء الاصطناعي، والغموض الذي يحيط بأداء الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي، والفكرة الخاطئة بأن الذكاء الاصطناعي الذي يدعمه بنية تحتية أكبر سيكون أفضل، فإن قيم هذه الشركات مرتبطة بنفقاتها.
لذا، تستخدم هذه الشركات أيضًا تمويل الأسهم والديون لإنفاق مئات المليارات من الدولارات على توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، مما يرفع قيمتها، ويُتيح المزيد من تمويل الأسهم والديون لإنفاق المزيد وزيادة القيمة، وهكذا.
ورغم ذلك، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية ليست دقيقة بما يكفي لتكون أدوات مفيدة ومربحة فحسب، بل إنها وصلت أيضًا إلى نقطة تناقص كبير في العوائد، وبالتالي، فإنّ الكمّ الهائل من الأموال التي تُضخّ فيها لا يُحسّنها إلا بشكل طفيف، مما يعني أنها ستبقى غير دقيقة لدرجة تمنعها حتى من الاقتراب من فائدتها الموعودة.
هذه فقاعة واضحة جداً
تُضخّم القيم بشكل مصطنع في حين أن جوهر العمل بعيد كل البعد عن الصلابة. حتى أننا بدأنا نشهد أمورًا مثل التمويل الدائري (صفقة رقائق Nvidia وOpenAI بقيمة 100 مليار دولار) وشركات الذكاء الاصطناعي التي تُخفي ديونها من خلال شراكات ذات أغراض خاصة (عرض Meta للاقتراض بقيمة 26 مليار دولار)، وهو ما يُحاكي بشكل مؤلم فقاعات أخرى مثل فقاعة دوت كوم.
كثيرون حذروا من فقاعة الذكاء الاصطناعي منذ سنوات، لكن المؤسسات المالية الكبرى بدأت للتو في ملاحظة الأمر ودقّ ناقوس الخطر؛ قبل بضعة أيام، صرّح بنك إنجلترا بأنه يرى مشاكل خطيرة تنتظر الأسواق المالية العالمية إذا تراجع المستثمرون عن آفاق الذكاء الاصطناعي، وللأسباب المذكورة أعلاه، فإنّ هذا التراجع وارد. بل ذهبوا إلى حد القول إن “خطر حدوث تصحيح حاد في السوق قد ازداد”، وإنه “في حال حدوث تصحيح حاد، فإن تشديد الأوضاع المالية قد يُبطئ النمو العالمي، ويكشف نقاط الضعف، ويجعل الحياة صعبة للغاية على الدول النامية”. وهو تصريح أيده صندوق النقد الدولي.
كما صدرت تحذيرات مماثلة من جيمي ديمون، رئيس جي بي مورغان، أكبر بنك أمريكي. ففي مقابلة أجريت معه مؤخرًا، قال ديمون إنه “أكثر قلقًا من غيره” بشأن حدوث تصحيح خطير في السوق، والذي قد يحدث خلال الأشهر الستة إلى العامين المقبلين. وعلى عكس بنك إنجلترا أو صندوق النقد الدولي، لم يُلقِ ديمون باللوم مباشرةً على الذكاء الاصطناعي، ولكن لا ينبغي أن نتفاجأ، إذ استثمر جي بي مورغان مبالغ ضخمة في صناعة الذكاء الاصطناعي وأقرضها تحت قيادة ديمون. وهو لن يُقر بأنه أحد المسؤولين عن هذه العملية.
كذلك ذهب “دويتشه بنك” إلى أبعد من ذلك، وقام بحساب مدى اتساع فقاعة الذكاء الاصطناعي، ووجدوا أنه حتى مع هذه التخفيضات في أسعار الفائدة، فإن فقاعة الذكاء الاصطناعي هي العامل الوحيد الذي يُساعد الاقتصاد الأمريكي على تجنب الركود.
في جوهره، وجد “دويتشه بنك” أن الاستثمار الهائل لصناعة الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات يُضخّم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بشكل مصطنع، وفي الواقع، يُعزى حوالي نصف النمو الحالي لصناديق المؤشرات، مثل مؤشر ستاندرد آند بورز 500، إلى جهود شركات التكنولوجيا المبذولة في مراكز البيانات.
إذا استثنينا هذا الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، فإن نموها قد انخفض بسرعة إلى ما يقارب الصفر، وهو مؤشر تحذيري رئيسي على ركود اقتصادي قادم.
لكن السؤال الأهم هو:
ما الذي سيُسبب انفجار هذه الفقاعة الهائلة؟… فانتظروا تأتي لحظة “البيع على المكشوف” القادمة!!!
