“السفاهة” من الألفاظ التي وردت في القرآن والسنة للنهي عنها والتحذير منها، والإزراء بمن تلبس بها، وكيفية التعامل مع من اتصف بها؛ وهي تعني خفة الحلم أو نقيضه أو الجهل، والسفه نقص في العقل، وأصله الخفة، من سفه سفها من باب تعب، وسفه بالضم سفاهة وسفاها، أي: صار سفيها، فهو سفيه، والأنثى سفيهة، والجمع سفهاء. وسفه الحق جهله، وسفهه تسفيها: نسبه إلى السفه.
واصطلاحا: نقيض الحلم، وهو سرعة الغضب، والطيش من يسير الأمور، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسرف في العقوبة، وإظهار الجزع من أدنى ضرر، والسب الفاحش .
وفي الفقه الإسلامي تطلق السفاهة على إساءة التصرف أو التصرف بما يناقض الحكمة.
والسفه له مصطلحات مقاربة له بالمعنى (الطيش، والعَبَث، والعته، الشَّتم)، ولكنها قد تختلف عنه من وجوه؛ قال الجرجاني -رحمه الله- : “السفه: عبارة عن خفة تعرض للإنسان من الفرح والغضب، فتحمله على العمل بخلاف طور العقل، وموجب الشرع”)”، وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “السفه غاية الجهل، وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده، وإرادته بخلافه”.
صفات السفهاء في القرآن
ورد لفظ «السفاهة» ومشتقاتها في القرآن في أحد عشر مواضعاً، ومن أبرز هذه الصفات :
أولاً : سوء القول على الله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾؛ قال العلامة السعدي -رحمه الله-: أي: قولاً جائرًا عن الصواب، متعدياً للحد، وما حمله على ذلك إلا سفهه وضعف عقله، وإلا فلو كان رزينا مطمئنا لعرف كيف يقول.
ثانياً : الإفساد:
يفسدون في الأرض ويحسبون أنهم مصلحون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقول العلامة السعدي -رحمه الله-: ولما كان في قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} حصر للإصلاح في جانبهم – وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح – قلب الله عليهم دعواهم بقوله: {ألا إنهم هم المفسدون} فإنه لا أعظم فسادا ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله، وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟” ولكن لا يعلمون علما ينفعهم، وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة الله، وإنما كان العمل بالمعاصي في الأرض إفسادا، لأنه يتضمن فساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار، والنبات، بما يحصل فيها من الآفات بسبب المعاصي، ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله والإيمان به، لهذا خلق الله الخلق، وأسكنهم في الأرض، وأدر لهم الأرزاق، ليستعينوا بها على طاعته [وعبادته]، فإذا عمل فيها بضده، كان سعيا فيها بالفساد فيها، وإخرابا لها عما خلقت له.
ثالثاً: لا يحسنون التصرف:
لاسيما في المال إسرافاً وتبذيراً، قال تعالى:﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال العلامة السعدي -رحمه الله- : السفهاء: جمع “سفيه” وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولا معروفا، بأن يعدوهم -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبرًا لخواطرهم.
وقال الإمام الشَّافعي-رحمه الله-: (السَّفيه: المبَذِّر المفسد لماله أو في دينه).
رابعاً: الاعتراض على أحكام الشريعة:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال العلامة السعدي -رحمه الله-: “أخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، على أحكام الله وشرائعه”.
ونختم بقول أبي جعفر الخطمي أنَّ جدَّه عمير بن أوصى بنيه، قال لهم: (أي بني! إيَّاكم ومخالطة السُّفَهاء؛ فإنَّ مجالستهم داء، وإنَّه مَن يَحْلم عن السَّفيه، يُسَرَّ بحلمه، ومَن يُجِبه يندم). رواه البيهقي في السنن الكبرى.
نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة؛ وأن يوفق الجميع لفهم كتابه الحكيم، وللانتفاع بهدي سيد الأنبياء وخاتم المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. آمين
