العظة من بركان أثيوبيا

  • — الثلاثاء نوفمبر 25, 2025

لم يكن أكثر علماء الزلازل والبراكين يتوقع أن يشهد انفجارا بركانيا في تلك البقعة من الهضبة الإثيوبية التي ظلت -حسب زعمهم- لآلاف السنين صامتة، وكأنها خارج معادلة الجيولوجيا. ولكن، ومع الساعات الأولى من نشاط غير مسبوق، اهتزت الأرض، وتفجرت الصخور، في حدث وصفه “الجيولوجيون” بأنه الأول في التاريخ الإنساني الموثق لتلك المنطقة.

انه مشهد يعيد تشكيل الأسئلة الكبرى للماديين والملاحدة حول قدرة الله ﷻ التي تغير ما يظنه أدعياء الطبيعة ثابتا في لحظة؛ قد يملك العلم تفسيرا لحركة الصفائح الأرضية وتراكم الضغط تحت القشرة، لكن العلم ذاته يقف عاجزا أمام سؤال أكبر: ما سر هذه التغيرات التي قد تقلب الجغرافيا كاملة بين يوم وليلة؟ ولماذا هنا؟ لماذا الآن؟

اشتعال بركان خامد في لحظة؛ بدا الكون وكأنه يرفع صوته ليذكر البشر بأن القوة ليست في يد أي مخلوق، ولا في عقل آلة، ولا في عظمة دولة أو حضارة مهما كانت؛ بل في يد الخالق الواحد الأحد المدبر والمصرف الذي يقول للشيء كن فيكون.

علماء الأرض قالوا ان تلك المنطقة “خامدة منذ الأبد؟!!”، لكن القدرة الإلهية لم تلزم نفسها بتخميناتهم وهرطقاتهم؛ بل جاءت في اللحظة التي أرادها الله عز وجل، فتحرك ما كان ساكنا، واشتعل ما كان خامدا، وانقلبت الخرائط والتحليلات في ثوان معدودة.

لقد تغيرت أرض قد ظن أهلها أنهم قادرون عليها، وسقطت يقينيات جيولوجية عمرها قرون، تماما كما تتغير حياة الإنسان في لحظة، أو يفتح الله أبوابا لم يتوقعها، أو يغلق طرقا كان يظنها محكمة.

إن ما يراه الإنسان الجاحد مستحيلا يراه الله ممكنا، وما يقدره البشر بقوانينهم وحدودهم، ينسفه العزيز الحكيم إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا۞﴾

ورغم ضخامة الحدث، والمشاهد التي بثتها الأقمار الصناعية، رأى كثيرون في محدودية الأضرار لطفا الهيا ظاهرا؛ كأن البركان أذن له أن يتكلم دون إهلاك.

وهذا فيه رسالة تذكير: أن رحمة الله تسبق غضبه، وان لطفه يحيط بالكون حتى في لحظات الآيات الكونية التي يرسلها رب البريات.

فالذي يشعل بركانا يستطيع أن يسكنه، والذي يزلزل أرضا قادر أن يثبتها، والذي يقلب طبيعة جبل قادر أن يغير حياة عبد في لحظة، من ضيق إلى فرج، ومن ضعف إلى قوة، ومن محنة إلى منحة.

انه تذكير مكتوب بلغة الكوارث؛ بأن الكون كله تحت سلطان الله، وان قوانين الطبيعة لا تتحرك إلا بإذنه، وان أعظم يقين يمكن للإنسان أن يتمسك به هو يقينه بربه القادر على أن يغير كل شيء في أي وقت، والقادر على أن يبدل الحال في طرفة عين، والقادر على أن يمنح من رحمته أي مخلوق بما لايحتسب.

 إن من يفهم الرسالة يعلم أن الامن الحقيقي لا يأتي من العلم او التقنية ولا الأقمار الصناعية، ولا من الاستنتاجات والتوقعات القاصرة، ولا من المخاطر الجيولوجية ومؤشراتها الزائفة… بل من يستودع نفسه بين يدي الله البر الرحيم القدير.

قال تعالى ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۞ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ۞ } فاطر

القدرة الإلهية ليست حدثا، وليست قوة تدمير، وليست تهديدا، بل قوة تذكير؛ رحمة تعيد ترتيب أولويات الإنسان الرشيد في هذا العالم الدنيوي القصير.

نستغفر الله العظيم ونتوب إليه!