حديث «الخازنُ المسلم الأمين..»

  • — الأحد ديسمبر 21, 2025

في باب التعاون على البر و التقوى ذكر الإمام النووي -رحمه الله- حديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- عن النبي-ﷺ-أنه قال: «الخازنُ المسلم الأمين الذي يُنفذ ما أُمر به فيعطيه كاملاً موفَّراً طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمر له به أحدُ المتصدقيْن» [صحيح البخاري ومسلم]،

وفي هذا الحديث ذكر النبي-ﷺ- شروطًا للخازن المسلم الأمين:

الأول: الأمانة. والشرط الثاني: الذي يُنفذ ما أُمر به. والشرط الثالث: أن يعطيه كاملاً موفراً دون نقص. وبطيبة به نفسه، وهو الشرط الرابع، فلا يلاقيهم بوجه عبوس، ولا يؤذيهم بالقول، وما أشبه ذلك.

فإذا تحققت الشروط فهو أحد المتصدقين، فهذا الخازن لم يتصدق، ولكن لأمانته صار أحد المتصدقين، وهذا فضل عظيم جداً، وفي رواية: «الذي يُعطِي ما أُمِر به» بضم الهمزة، أو أَمَرَ به أي: أَمَر المعطي، وكل ذلك ثابت في هذه الرواية، والمعنى واحد.

وفي هذا الحديث عبرة عظيمة جداً، وهو أن فضل الله-عزوجل- واسع، فالإنسان قد لا يكون متصدقاً، ولكن يجري له أجر المتصدق، وذلك أن الله يجري الخير على يده، فمثلا: الخازن [ الموظف أو المتعاون أو المتطوع أو الخادم يحفظ المال والطعام وغيره] الذي يقوم ، على هيئة أو مؤسسة أو مستودع خيري، وغيرها؛ فيأتي الناس بصدقاتهم وأموالهم، وما أشبه ذلك، ويضعونها عند هذا الخازن، ثم يقوم فيها بأمر الله، فهو أحد المتصدقين، وليس فقط يؤجر على جهده ووقته، والساعات التي يقضيها إذا استحضر النية، بل له كأجورهم، وهذا في كل الصور التي يمكن أن تدخل تحت هذا الباب.

ولذا فالإنسان يحرص دائماً أن يكون عاملاً لدين الله -تبارك وتعالى، وأن يكون ممن يُنتفع به، وأبواب الخير كثيرة جداً، لا عذر لأحد أن يقول: ليس عندي مال، يمكن أن يجري المال على يده، يمكن أن يعمل في جهة جمعية خيرية أو وقفيه، وتكون نيته حسنة، ليس من أجل مال يُعطاه، أو نحو ذلك، بل من أجل أن يكون له كأجر هؤلاء المتصدقين جميعاً، وهذا أمر قد لا يتسنى لكل إنسان مهما قل أو زاد ماله، ولا يستطيع أن يقدم ما يقدمه غيره، لكن إذا كان خازناً أميناً فإن له كأجورهم، وهكذا من يقوم على ما ينتفع به الناس وقضاء حاجاتهم، دفع ذلك لمستحقه كما طُلب منه فإنه يكون كالمتصدق تماماً.

وينافي هذا أن يكون الخازن متسلطا، فيمنع الخير عن بعض الناس بأهوائه، وإن أعطاهم فيكون بغير طيب نفس، وربما صاحب ذلك نوع من المن ورفع الصوت والتوبيخ، وهذا مما لا يوافق المقصد الشرعي من العمل الذي وكل إليه، مع ضياع أجره وثوابه عند الله تعالى؛ ولهذا قال الله ﷻ: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9]، وقد فسر جماعة من أهل العلم الشح بأنه أن يبخل الإنسان بما في يده، ويتطلع إلى ما في أيدي الآخرين، ولا يحب أن يراهم ينفقون، ويضيق صدره إذا رأى أحد الناس يُعطَى أو ينتفع، أو يستفيد، أو يُحسَن إليه -نسأل الله السلامة والعافية- قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:37].

وفي الحديث: دليل على فضل الأمانة، والتنفيذ فيما وكل فيه، وعدم التفريط في ذلك.

وفيه: أنه قد رتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص، وبكون نفسه بذلك طيبة غير حاسدة لمن أعطاه إياه؛ لئلا يعدم النية فيفقد الأجر، وهي قيود لا بد منها.
وفيه: دليل على أن التعاون على البر والتقوى يكتب فيه لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا وإياكم طُرقاً للخير، وأبواباً له، مفاتيح للمعروف مغاليق للشر، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.