الاحتيال الإلكتروني (الرقمي) لم يعد مجرد حوادث فردية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لفاعلية القوانين الدولية لحماية المستخدم في مواجهة الهشاشة الجماعية!
بلغ الاحتيال الإلكتروني ذروة غير مسبوقة، متحولاً من مجرد ثغرات تقنية إلى “صناعة إجرامية” عالمية تستنزف مليارات الدولارات من جيوب الأفراد وخزائن الشركات.
هذا التصاعد المخيف، الذي لم تعد تنفع معه الحلول الفردية، فرض على المجتمع الدولي التحرك، حيث أجمعت الدول والمنظمات في بانكوك على أن الفضاء الرقمي بات يحتاج إلى “خطة طوارئ” شاملة لمواجهة أساليب النصب التي أصبحت أكثر ذكاءً وشراسة في عالم اليوم. مواجهة “الهشاشة الجماعية” في المؤتمر الدولي الذي استضافته تايلاند بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ألقى رئيس الوزراء التايلاندي، أنوتين شارنفيراكول، الضوء على حقيقة مع نهاية هذا العام: “إن الاحتيال الإلكتروني كشف عن هشاشة جماعية تتجاوز قدرة أيّ دولة على المواجهة المنفردة”.
لمواجهة هذا الواقع، أُطلقت “الشراكة العالمية لمكافحة الاحتيال عبر الإنترنت”، بمشاركة دولية من عدة دول.
وتتضمن الاتفاقية التزاماً سياسياً، وإنفاذاً للقانون، وحماية للضحايا، وتوعية عامّة، وتعاوناً عابراً للحدود، ومع تصاعد الضغوط على المنصات الكبرى اضطر عمالقة التكنولوجيا، مثل “ميتا” و”تيك توك”، اضطروا إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، وبالفعل، انضم “تيك توك” ليصبح أحد أوائل أعضاء القطاع الخاص في هذه الشراكة.
لقد أظهرت التقارير أن خوارزميات هذه المنصات باتت تُستغلّ لنشر إعلانات احتيالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يجعل من الصعب على المستخدم العادي تحديد الحدّ الفاصل بين الحقيقة والتزييف.
حماية المستخدمين وليس اختراق خصوصياتهم
شرح خبير في الأمن السيبراني من مؤسسة Semicolon أبرز العوائق التي تعيق ملاحقة الشبكات الإجرامية الإلكترونية العابرة للحدود، رغم تنامي التعاون الدولي في هذا المجال: “أحد التحدّيات الجوهرية يكمن في تضارب المصالح السياسية بين الدول؛ فعلى سبيل المثال، قد تطلب دولة معينة معلومات رقمية تتعلّق بمستخدم موجود في دولة أخرى، لكن الخلافات أو التوترات السياسية بين البلدين قد تعرقل عملية التعاون أو تبادل البيانات”.
واضاف : “الهجمات الإلكترونية اليوم باتت أكثر ذكاءً وتعقيداً، إذ أصبح بإمكان القراصنة إخفاء مواقعهم. وقد يبدو للمحققين أن المخترِق موجود في الولايات المتحدة مثلاً، بينما هو فعلياً ينفّذ هجماته من دولة أخرى تماماً. هذا النوع من التمويه يخلق صعوبة كبيرة في التتبع، ويجعل عمليات التحقيق أكثر تعقيداً من السابق”.
حماية المستخدمين [المستفيدين] لا تعني بالضرورة اختراق خصوصياتهم، بل يجب على المنصات -وليس خيار- أن تتحمّل مسؤولية كبرى في رصد السلوكيات الاحتيالية؛ ويمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد تقنيات تحليل سلوكي (Behavior-Based Analysis)، بحيث تُصمم أنظمة قادرة على كشف الأنماط المشبوهة من دون الحاجة للوصول الكامل إلى معلومات المستخدمين.
والمسألة الأهم في هذا الأمر هي الشفافية؛ يجب أن تكون المنصات واضحة تماماً مع المستخدم بشأن نوع البيانات التي تجمعها، وكيف تُستخدم هذا النوع من البيانات كي يبني الثقة لدى المستخدمين.
ضريبة الأمان
معضلة الخصوصية مع تزايد المطالبات بتشديد الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي لتأمين الفضاء الرقمي، تتجدد الإشكالية الكبرى: ضرورة تحقيق التوازن بين حماية المستخدم من المحتال من دون التجسس على خصوصيته، وهذا هو الاختبار الحقيقي لفاعلية القوانين الدولية، إذ إن المشهد مع نهاية 2025 يؤكد أن الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد رسالة زائفة، بل هو منظومة معقدة تتطلب وتوعية وعياً مجتمعياً، وانضباطاً تقنياً مسؤولاً، وإرادة سياسية دولية حازمة.
وكالات
