«أجمع آية في القرآن للخير والشر»

  • — الأربعاء ديسمبر 24, 2025

آية يرددها أئمة المساجد كل يوم جمعة على آذان المصلين تبين أسس الأخلاق الإسلامية، وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول فيها : “إنها أجمع آية في القرآن للخير والشر” وكانت سبباً في إسلام عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- لما سمعها فرأى أنها جامعة لخصال الخير والشر، ورأى أن ديناً يأتي بهذا جدير أن يتبع.

تلك هي قوله تعالى:{ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذْكُرُون} .

لقد أمر الله فيها بخصال ثلاث من أهم خصال الخير؛ ونهى عن ثلاث خصال من أهم خصال الشر ، فأما خصال الخير فأولها العدل، وهو أن يعطي الإنسان كل ذي حق حقه، و لو دققنا في معنى العدل وجدناه أساساً لكثير من الفضائل .

والقرآن يطالب بالعدل في مواضع منه كثيرة ، فيأمرك بالعدل مع من تحب ومن تكره ، ومن هو على دينك أو غير دينك، فالعدل واجب إنساني مع من أحببت أو كرهت ومع من وافقك أو خالفك.

أما الخصلة الثانية بعد العدل فهي الإحسان ، فإن كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه فالإحسان إعطاؤه ما فوق حقه، فمن الحق أن تأخذ دينك من المدين، فإن رأيته معسراً فعفوت له عن دينك فهذا إحسان _ وعلى الجملة فإن الإحسان يتطلب الشعور بالعطف على الناس وتقديم الخير ممن يقدر لمن لا يقدر، فالغني مأمور بإعطاء جزء من ماله للفقير؛ والعالم مأمور بتقديم زكاة علمه للجاهل، والقوي مأمور باستخدام قوته لمعونة الضعيف، وهذا هو ما عبر عنه القرآن بالإحسان، وليس مقصوراً على ما يتصوره العامة من وضع يدك في جيبك واستخراج قليل من المال تضعه في يد الفقير، بل الإحسان أعم وأشمل، هو عطف شامل من أفراد الأمة بعضهم على بعض، بل هو كذلك عطف الدولة على أرباب الحاجات.

وخصص الله في الخصلة الثالثة الأقرباء بالإحسان ، فالإحسان للناس عامة واجب ، وهو لذوي القربى أوجب ، فواجب أن يترابط أفراد الأسر ، ومن ارتباط الأسر ترتبط الأمة .

وهذه هي الخصال الثلاث التي شددت الآية في التزامها والعمل بها.

أما المنهيات الثلاث التي وردت فنراها شاملة أيضاً شمولاً عجيباً، ذلك أن علماء الاجتماع والقانون يقسمون الرذائل أو الجرائم إلى أنواع ثلاثة:

١. رذائل وجرائم يأتيها الأفراد نحو أنفسهم وهي الجرائم الأخلاقية؛ كالكذب والحسد والنفاق والرياء ونحو ذلك.

 ٢. رذائل وجرائم تقع على أفراد الأمة؛ كالسرقة والقتل وكل ما فيه تعد على أنفس الناس وأموالهم. 

٣. رذائل وجرائم تقع على السلطات الحاكمة؛ كالسعي في هدم الدول.

وهذه الأنواع الثلاثة تقابل الرذائل الثلاث في الآية، فالفحشاء هي الأعمال القبيحة تصدر من الشخص وتؤذيه، ولذلك سمي البخيل فاحشاً، وقيل للشخص إذ أجاب إجابة سيئة أفحش في الجواب وهكذا، والمنكر ما يصدر عن الناس من جرائم تضر بهم ويستنكرونها إذا حدثت ، وقد اعتاد القرآن أن يسمي الفضائل الاجتماعية معروفاً، والرذائل منكراً، وجعل من أصول الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرمي بذلك إلى أن تكون الأمة يقظة واعية لكيانها، فإذا رأت نقصاً فيها ارتفعت أصوات عقلائها باستكماله، وإذا رأت خللاً في بنائها من أي ناحية كانت طالبت بإصلاحه.

وأما البغي فمعناه الخروج عن السلطة الحاكمة بوسائل العنف، ومن ذلك قولهم: (الفئة الباغية) التي تخرج على الإمام (ولي الأمر).

ذلك لأن الإسلام يريد استقرار الأمور واستقرار السلطة الحاكمة مع صلاحيتها لأنها المشرفة على النظام العام، فإن حادت عن العدل أو الحق وجهها أولو الأمر إلى الجهة الصالحة.

لقد وضع الإسلام خير نظام للأمة بهذه الآية { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذْكُرُون}. وفهم خاصة المسلمين أنها من أجمع الآيات في بيان الخير والشر فكرروها على أسماع الناس في كل جمعة وكل مناسبة .

إن أسلوب القرآن في الدعوة إلى الأخلاق أسلوب عملي يلتمس الواقع ويدعو إلى تنظيمه، ليس أسلوب الفلاسفة في بحث النظريات، وإقامة البراهين المنطقية الجدلية ونحو ذلك، إنما هو أسلوب يعمد إلى أصول الفضائل فيبينها، ويدعو إليها، ويوقظ المشاعر للعمل بها، وهو أسلوب يوافق العامة والخاصة، والفلاسفة والجماهير، كل يستقي بمقدار استعداده.

إن ما ينقص المسلمين اليوم هو فهم دستورهم الذي ارتضاه الله لهم، والعمل به في دقة وإحكام والتزام، فما قيمة القوانين إذا وضعت على الرف، وما قيمة النصائح الغالية إذا صمت عنها الآذان _ إن القرآن _ دائماً _ يقرن الإيمان بالعمل، ويطالب بهما جميعاً ويجعلهما ركني السعادة، فهو يعبر بالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فلا يعتد بإيمان من غير عمل ، كما لا يعتد بعمل من غير إيمان.

وفقنا الله للإيمان الصحيح والعمل الصحيح.


[أحمد أمين || فيض الخاطر]