البصيرةَ؛ نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقةَ ما أخبرت به الرسل، كأنه شاهَدَ رأيَ عَ ،ْنيٍ فيتحقَّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرسل، وتضرُّرُه بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعضِ العارفين: البصيرة تحقُّق الانتفاع بالشيء والتضرُّر به. وقال بعضهم: البصيرة ما خلَّصك من الحيرة؛ إما بإيمان، وإما بعِيان.
والبصيرة على ثلاث دَرجات؛ مَن استَكملها فقد استَكمل البصيرة: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنَّهي، وبصيرة في الوعْد والوعيد.
فالبصيرة في الأسماء والصفات: ألا يتأثَّر إيمانُك بشُبهة تُعارِضُ ما وصَف الله به نفْسَه، ووصفَه به رسولُه، بل تكون الشُّبَه المُعارضة لذلك عندك بمنزلة الشُّبَه والشكوكِ في وجود الله، فكلاهما سواء في البطلان عند أهل البصائر.
وعقْدُ هذا أن يشهَدَ قلبُك الربَّ تبارك وتعالى مستويًا على عرشه، متكلِّمًا بأمرِه ونهيه، بصيرًا بحركات العالم عُلْويِّه وسُفْليِّه، وأشخاصه وذواته، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمْرُ الممالك تحت تدبيره، نازلٌ مِن عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تُنفِّذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزَّهًا عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصَف نفْسه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقه، حيٌّ لا يموت، قيُّوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقالُ ذَرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، بصير يرى دَبيبَ النملةِ السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء، سميع يَسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات، تَمتَّْ كلماتُه صِدْقًا وعدلًا، فجلَّت صفاتُه أن تُقاس بصفات خلْقِه شَبهًا ومِثلًا، وتعالت ذاتُه أن تُشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعِتْ الخليقةَ أفعالُه عدلًا وحكمةً ورحمةً وإحسانًا وفضلًا، له الخَلْقُ والأمر، وله النعمة والفضل، وله المُلكُ والحمد، وله الثناء والمجد، أولٌ ليس قبله شيء، آخرٌ ليس بعده شيء، ظاهر ليس فوقَه شيء، باطن ليس دونَه شيء، أسماؤه كلُّها أسماء مدْحٍ وحمدٍ، وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حُسْنَى، وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، ونُعوته نُعوتُ جلال، وأفعاله كلُّها حكمةٌ ورحمة، ومصلحة وعدل، كلُّ شيء من مخلوقاته دالٌّ عليه، ومرشِد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يًخلُقِ السمواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ولا ترَك الإنسان سُدًى عاطلًا، بل خلق الخَلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبَغَ عليهم نِعَمَه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته، تعرَّف إلى عباده بأنواع التعرُّفات، و فَرصَّ لهم الآيات، ونَوَّع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومدَّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتمَّ عليهم نِعَمَهُ السابغة، وأقام عليهم حُجَّتَه البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكَتَب على نفْسه الرحمة، وضَمَّن الكِتابَ الذي كتبه: أنَّ رحمتي سبقت غضبي.
المرتبة الثانية: البصيرة في الأمر والنَّهي؛ وهي تجريده عن المعارضة بتأويل، أو تقليد، أو هوًى، فلا يقوم بقلبِه شُبهةٌ تُعارِض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوةٌ تمنع من تنفيذه وامتثالِه والأخذ به، ولا تقليدٌ يُزيحه عن بذْل الجُهدِ في
تلقِّي الأحكام من مِشكاة النصوص.
الدرجة الثالثة: البصيرة في الوعد والوعيد؛ ]و[ هو أن تشهد قيامَ الله تعالى على كل نفس بما كسبت في الخير والشر، عاجلًا وآجلًا، في دار العملِ، ودار الجزاء، وأنَّ ذلك هو موجِب إلهيته وربوبيته، وعدله وحكمته.
فإذا انتبه وأبصر: أخذ في «القصد » وصِدْق الإرادة، وأ عْمجََ القصدَ والنية على سفر الهجرة إلى الله، وعَلِم وتيقَّن أنه لا بدَّ له منه، فأخذ في أُهبَة السفر، وتعبئةِ الزاد ليوم المعاد، والتجرُّد عن عوائق السفر، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج؛ فإذا استحكَمَ قصدُه صار «عزمًا » جازمًا، مستلزمًا للشروع في السفر، مقرونًا بالتوكُّل على الله، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ سورة آل عمران: 159 .
والعزم: هو القصدُ الجازم المتَّصل بالفعل، ولذلك قيل: إنه أوَّل الشروع في الحركة لطلب المقصود، وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل.
والعزم نوعان؛ أحدهما: عزم المُريد على الدخول في الطريق، وهذا من البدايات. والثاني: عزمٌ في حال السَّير، وهو أخصُّ من هذا.
والله تعالى أعلم
[ الإكسير (خلاصة أعمال القلوب من مدارج السالكين لابن القيم)]
