«الإيمان نصفان… شكر و صبر»

  • — الثلاثاء يناير 20, 2026

الإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر، وذلك أن ما يلقى العبد [في حياته] لا يخلو من نوعين :

الأول: النعم التي أسبغها الله على عبده ظاهراً وباطناً، فهو محتاج إلى ذكرها وشكرها والتحدث بنعمة الله عليه فيها فلا يركن إليها، ولا ينهمك فيها، ويراعي الحقوق ؛ فيعطي كل ذي حق حقه، فهذا مقام الشكر .

الثاني: المصائب التي تحيق بالعبد؛ فتأخذ الأحبة، وتهلك الأموال، وتضعف البدن وتهزم الملذات والشهوات التي زينت للناس؛ فهو محتاج إلى تلقيها بالرضى؛ فلا يجزع ولا يسخط ولا يشتكي وينتظر الفرج والعوض من الله، وهذا مقام الصبر.

ولما كان الأمر كذلك كان حقيقياً على من نصح نفسه، وأحب نجاتها، وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين، العظيمين، ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين؛ ليجعله الله لقائه يوم مع خير الفريقين.

ولكي تتضح الحجة وتستقيم المحجة لطالبي عليين؛ فلا بد من بـ المقامين العليّين، والمقصَدَيْن الأسْمَيَيْن؛ كما جاء في كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين» لشيخ الإسلام الثاني والإمام الرباني ابن قيم الجوزية-رحمه الله-، قد جمع مفردات هاتين المسألتين جمعاً وافياً؛ موسوعة تربوية شاملة في مقامات الدين ودرجات اليقين وصدق مؤلفها في وصفه حيث قال : “فجاء كتاباً جامعاً حاوياً نافعاً فيه من الفوائد ما هو حقيق أن يُعض عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر ؛ ممتعاً لقارئه، صريحاً للناظر فيه، ومسلياً للحزين، ومنهضاً للمقصرين ومحرضاً للمشمرين مشتملاً على نكات حسان من تفسير القرآن وعلى أحاديث نبوية معزوة إلى مظانها، وآثار سلفية منسوبة إلى قائلها، ومسائل فقهية حسان مقررة بالدليل ودقائق سلوكية على سواء السبيل، ولا تخفى معرفة ذلك على من فكر وأحضر ذكر أقسام الصبر ووجوه الشكر وأنواعه . وفصل النزاع في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر لهم وذكر حقيقة الدنيا وما مثلها به الله ورسوله والسلف الصالح، والكلام على سير هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال وذكر ما يذم من الدنيا، ويحمد وما يقرب منها إلى الله ويبعد، وكيف يشقى بها من يشقى، ويسعد بها من يسعد”.

وغير ذلك من الفوائد التي لا تكاد تظفر بها في كتاب سواه لهذا الإمام الجهبذ الهمام -رحمه الله- فقد كان ذلك الفارس المجلى، ونصيبه من السبق القدح المعلى يشارك فيه أهل الإيمان والذوق الشرعي المحلى؛ فيزداد بها أهل الصبر والشكر حبوراً وسروراً، وذلك محض الله على عبده وعطية من بعض عطاياه؛ فهو كتاب يصلح للأغنياء والفقراء والزهاد والفقهاء وولاة الأمور؛ ينهض بالقاعد إلى السير، ويؤنس السائر في الطريق وينبه السالك على المقصود؛ ليكون من أهل التثبيت والإقدام لا التثبيط والإحجام. فتعود بين مسلمي عصرنا محاضن التربية الإيمانية الربانية على سنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

والله يقول الحق، ويهدي إلى سواء السبيل.