«مسجد وحديقة وإدارة المدينة الموحدة»

  • — الثلاثاء يناير 20, 2026

تعتبر الإدارة الموحدة ركيزة أساسية في التنظيم الإداري لإدارة المدن ونموها وتنميتها، وتعد قاعدة ومكان لممارسة المواطنة في إطار بنيوي لمشاركة المواطنين في الشؤون ذات النفع العام؛ سلطات وصلاحيات واسعة في العديد من مجالات الحياة المحلية تؤدي من خلالها دور مركزي على المستوى المحلي يهدف إلى ترقية وتجويد الخدمات لتحسين جودة الحياة في المدينة، حيث تركز على استغلال كافة الإمكانيات والموارد المتاحة محليا وتعظم الفائدة منها فترتقي بالمجتمع المحلي في مختلف الميادين، ولذلك ارتبطت بمفهوم التنمية الشاملة والمستدامة.

وبالعودة إلى عنوان المقال «مسجد وحديقة وإدارة المدينة الموحدة»

عند التخطيط العمراني للأراضي التي تخصص للحدائق يكون -غالباً- بجوارها أرض مخصصة لبناء مسجد أو جامع؛ تتولى الأمانات (البلديات) فتتولى إنشاء الحدائق، وتسلم أراضي المرافق العامة إلى الجهات الأخرى؛ أراضي المساجد تسلم إلى وزارة الشؤون الإسلامية، ووزارة التعليم تستلم أرضى المدارس، ووزارة الصحة تستلم أراضي المرافق الصحية، ثم تبدأ كل جهة في تعميرها حسب أولوياتها وميزانياتها وتوجهاتها المركزية؛ وعليه قد تنفذ الحديقة قبل المسجد، أو المسجد قبل الحديقة؛ لوجود جهتين مستقلتين تنظم وتنفذ وتشرف في نفس المدينة.

ولنأخذ مثالاً على ذلك للتوضيح:

تشرفت خلال حياتي العملية بأمانة الرياض (1406- 1442) بالمشاركة (مع زملائي) في إنشاء عدد من الحدائق العامة وملاعب للأطفال والساحات البلدية بأحياء مختلفة من مدينة الرياض، وكان هناك مرفق عام لإقامة حديقة ومسجد بحي النخيل شمال مدينة الرياض أُنْشِئَتْ الحديقة في عام 1409 هـ، ثم أقيم الجامع في 1446هـ، – حديقة النخيل وجامع الأمير محمد بن عياف (رحمه الله) – وبعد أن اكتمل عمارة المرفق في نسيج واحد وأصبح علامة بارزة ومميزة في الحي والمدينة، ما هو حال إدارة هذان المرفقين العامّين الآن؟

وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد هي الجهة صاحبة القرار في الجامع (المالكة)، والمسؤولة والمشرفة والمتابعة له، ولديها إدارات هندسية وتخطيطية وتنظيمية ومراقبين مشرفين وعقود ومناقصات … جميعها تدار مركزياً، والشيء نفسه ينطبق على أمانة الرياض بالنسبة للحديقة؛ بمعنى آخر هناك جهازان تنفيذيان، وهناك مستهدفان وميزانيتان لكل جهاز، وهناك عقدان لمقاولان، وفريقان للإشراف والمتابعة والمراقبة لمرفقان متجاوران في نفس الحي ونفس المدينة. وهو ما ينطبق على مرافق أخرى قد تشمل “حديقة ومدرسة” و “جامع وحديقة ومركز صحي”… وغيرها.

أسلوب التنظيم المحلي للمدينة وحوكمته

تخضع السلطة الإدارية في تنظيمها -بشكل عام- إما إلى أسلوب المركزية الإدارية؛ إذ تتركز الوظيفة الإدارية في يد مؤسسة أو هيئة واحدة، أو إلى أسلوب اللامركزية فيتم توزيع الوظائف بين السلطة المركزية وهيئات ومؤسسات مستقلة (وهو المتبع حالياً)؛ والإدارة المحلية تعتبر الوحدة الأساسية للإدارة والتحكم والتسيير لشؤون المدينة، وتشكل الوسيط بين الإدارة المركزية والمواطن بهدف إدارة مرافق محلية ذات نفع عام ومتعدي.

ولو نظرنا إلى هذا الواقع الذي أشرنا إليه في السابق من منظور محلي وطني، فإنه يوضح لنا: أن “المدينة” هي التي تمتلك المرافق العامة التي خصصتها الدولة -حفظها الله- لأجل خدمة ورفاهية المجتمع المحلي (السكان)؛ ولكي تعظم الفائدة من هذه المرافق وغيرها من الخدمات، تحتاج المدينة إلى اندماج الأذرع التنفيذية والتشغيلية المتعددة تحت ذراع ﺗﻨﻔﯿﺬي وﺗﺸﻐﯿﻠﻲ واحد مُمكّن يستطيع ﻣﻤﺎرﺳﺔ دوره ﻛﺴﻠﻄﺔ مسيطرة على إدارة اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ بفعالية ومرونة وكفاءة، وفق تنظيم محلي وإدارة تنفيذية موحدة.

ولتبني مثل هذه المسألة الهامة في إدارة المدن كمدخل رئيس للإدارة المحلية التي سيتحقق منها فوائد عدة وأثرها التنموي والتنافسي وفق التجارب العالمية؛ إدارياً واقتصادياً، واجتماعياً، وبغض النظر عن مسميات الجهات ذات العلاقة المباشرة (هيئة، بلدية، إدارة تنفيذية)؛ فما يمكن تحقيقه من خلال اتباع أسلوب تنظيم محلي لإدارة المدينة تنفيذياً وتشغيلياً (كما في مثال المسجد والحديقة) يتضمن تجميع الوظيفة الإدارية المحلية بين الإدارة المركزية وهيئات ومؤسسات محلية مستقلة [مالياً وإدارياً]، تمارس ما يناط بها من مهام وأعمال تحت إشراف ومتابعة ورقابة السلطة المركزية وفق حوكمة منضبطة فترتقي إدارة المدينة إلى مستوى المؤسسة العصرية القادرة إدارة شؤون المدينة وتقديم الخدمات المتكاملة، وإنجاز تعاملات المواطنين والتواصل معهم بشكل إيجابي، وتفعيل المشاركة المجتمعية، وجعلها آلية ناجعة تتبنى التطوير والابتكار عبر خلق وعي عام بأهميتها وتعبئة المجموعات المحلية والقطاع الخاص، وتعميمها لتحقيق النمو والتنمية الشاملة والمستدامة!

والله من وراء القصد وهو تعالى الأعلم.