جاء في إحدى خطب النبي ﷺ: «… ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم…»، وهو حديث مشتمل على هذه الخصال العظيمة التي لا يغل عليهن قلب المسلم، وقد ذكر عليه الصلاة والسلام هذه الخصال عقب دعوته لمن سمع السنة ووعاها، وحفظها وبلغها بالنضرة، وهو في غاية المناسبة، وذلك أنه لما كان هذا الثواب العظيم لمن بلغ سنة رسول الله ﷺ يفتقر كسائر الأعمال إلى الإخلاص لله، وعقد النية على النصح للمسلمين ولزوم جماعتهم عقّب ﷺ دعوته الميمونة المباركة لمبلغي سنته بما يدلُّ على أهمية الإخلاص في الأعمال لله، والنصح للمسلمين، ولزوم جماعتهم بقوله:«ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم»، قال ذلك ﷺ؛ لأن هذه الخصال الثلاث تستصلح بها القلوب، وتهذب بها النفوس، وباستشعارها وعقد القلب عليها يكون المسلم جديراً بتحصيل الثواب الجزيل، والأجر العظيم المذكور في الحديث.
وفي قوله ﷺ في الحديث:«ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم» دلالة على أن قلب المسلم لا يحمل الغلّ ولا يبقى فيه الغش، إذا كان متصفاً بهذه الصفات الثلاثة المذكورة في الحديث، لأنها تنفي الغش وتبعده عن القلب.
فالمخلص لله إخلاصه يمنع غلّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة، لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه وطلب ثوابه، فلم يبق فيه موضع للغلِّ والغش كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(٢٤)} [ سورة يوسف]، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(٨٣)} [ سورة ص]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}[ سورة الحجر].
وقوله ﷺ في الحديث: «والنصح لأئمة المسلمين» هذا أيضاً منافٍ للغل والغش، فإن النصيحة لولاة الأمر لا تجامع الغل إذ هي ضدّه، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برىء من الغل، والنصح لأولي الأمر من المسلمين إنما يكون بالسمع والطاعة لهم في المنشط والمكره أبراراً كانوا أو فجاراً، وإنما الطاعة في المعروف، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، وبإرشادهم للخير وترغيبِهم فيه، وتحذيرهم من الشر وتنفيرهم منه، والدعاء لهم بالصلاح والمعافاة، وعدمِ الدعاء عليهم لمنافاة ذلك للنصيحة، لأن جماع النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له كائناً من كان.
وقوله ﷺ في الحديث:«ولزوم جماعتهم» وهذا أيضاً مما يطهر القلب من الغل والغش، فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسرّه ما يسرهم، مع الموافقة لهم في العقيدة والعمل، والحذر من الخروج عن زمرتهم؛ لئلا تتلقفه الشياطين التي تعمل في الإنسان أعظم من عمل الذئاب فيما يندُّ من الغنم.
وقوله -ﷺ- في الحديث:«فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» هو من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنى، حيث شبّه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام ـ وهم داخلوها ـ لما كانت سوراً وسياجاً عليهم أخبر صلى الله عليه وسلم أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شمل الأمة وتلمُّ شعثها وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته، وبذلك أيضاً يكون للمسلم الملازم لجماعة المسلمين نصيب من دعواتهم الطيبة التي تصدر من آحادهم شاملة لعمومهم.
[ينظر كتاب: دراسة حديث «نضر الله امرأً سمع مقالتي» الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله].
