«تقدير الموجود»

  • — الإثنين فبراير 09, 2026

في أحد صباحات مدينة الرياض كنت أتأمل في أرتال السيارات وقوافل البشر الذين يغدون ويروحون هنا وهناك، فهجم عليّ تساؤل مضمومنه: هل يمضي هؤلاء إلى أعمالهم بلهفة وشوق؟

هل استيقظوا هذا الصباح والرضا قد لفّهم عن أوضاعهم؟

هل هم قانعون بزوجاتهم وأبنائهم؟ راضون عن هيئاتهم؟

وما أظنه أنّ الكثير، إلاّ من رحم ربي، غير راضٍ بحاله، بل تجده في حالة دائمة من مدّ النظر والتطلُّع إلى ما عند الآخرين، بالرغم من ترادف النعم وتتابع الهبات فجحدوا إحسان خالقهم وأنكروا جميله!!

كل من لاقيت يشكو دهره.. ليت شعري هذه الدنيا لمن؟

لذا تجد أعمارهم تنقضي وشملهم يتفرّق وهم يحلقون في سماء الوهم بأجنحة من أحلام وأمنيات، وضاعت أوقاتهم في شتم الدنيا وسب الحظ ولسان حالهم يقول:

إن كان عندك يا زمان بقية.. مما يهانُ بها الكرام فهاتها

وفي هذا الشأن يروى أنّ أماً وابنها قد عضّهما الفقر ونال منهما العوز، ولم يكن حولهما قلب ينبض لحالهما ولا عين تدمع لبكائهما، وما ملَكا في هذه الدنيا سوى كوخ ضيق الأرجاء مهشّم الأطراف لا يكاد يتسع لجسديهما، وفي إحدى الليالي التي هدرت فيها أصوات العواصف في الأرض وأربدت آفاق السماء، تدفقت الغيوث بغزارة عليهم حتى سقط عليهم السقف فاحتميا بالباب وكأنما التجأ إلى أحصن موئل وأحرز معزل حتى تزول المحنة، وفي شدة الأزمة همس الصغير في أذن أمه قائلا ًبلسان الشاكر الراضي: ما حالُ الذين لا يمتلكون باباً مثلنا يا أمي؟!

إنّ من أفجع الحقائق الإنسانية عدم تقدير الموجود والهروب منه إلى الأحلام والمفقودات، وكأنّ ذلك الحلم وردة قد زرعت في الأفق، وصاحب هذا غفلة شديدة عن تلك الأزاهير التي تطل من نوافذ غرفهم! وواحدهم لو ملَكَ ما يطلب وتمَّ له ما يتمنى فلن يجد فيه ما كان يتخيّل من السعادة!

فمثلاً على مستوى العلاقات الأسرية تجد حالة من الضجر كبيرة، حيث الرغبات المكنونة وأحياناً المنطوقة والتي تدور حول أمنيات من قبيل: لو كانت فلانة زوجتي ولو كان أبناء فلان أبنائي، تطلُّع لا يقف إلى ما لدى الغير وزهد فاضح بالممتلكات الشخصية والنعم الممنوحة، والذي أجزم به أنّ أحدهم لو فصّل وظيفة أو زوجة على مقاسه واختار أدق تفاصيلها بنفسه سيضجر بها بعد زمن!!

فمتى ما كانت الألفة والاعتياد فستغدو الأمور عادية وستذوب تلك الخيالات مع أشعة شمس الحقيقة كما يذوب ثلج الشتاء تحت شمس الربيع!

إنّ الإشكالية ليست في سوء أوضاع هؤلاء المتبرمين وإنما في طريقة تفكيرهم (الجانحة) لتمني ما فُقد، وهذا التبرم مرده إلى التراكم الشعوري والتصعيد الذهني للعقبات الصغيرة والأزمات الصغيرة التي يمرون بها ومن ثم السماح لها بأن تتراكم حتى يتشكّل حمل كبير بدلاً من التسليم بوجودها!

أيها العزيز.. لا مهارة أجمل من مهارة (تقدير الموجود) ومن ثم الاستمتاع به حتى لا تنقضي الحياة مخذول القوى تئن تعباً قد أشغلت نفسك بأمنيات في رحم الغيب، وحتى لا تخرج من الحياة صفر اليدين لا تعرف للراحة طعماً ولا للدعة سبيلاً، فليكن شعارك {… فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ}.

قبل الأخير.. يقول الروائي المبدع غابريل ماركيز صاحب رائعة – الحب في زمن الكوليرا – بعد أن أصيب بالمرض الخبيث وأحس بدنو الأجل: آه لو منحني ربي وقتاً آخر في الحياة لاستمتعت بكل دقيقة ولاستمتعت بأحلامي ولغسلت الأزهار بدموعي ولكتبت أحقادي على قطعة من الثلج وانتظرت ظهور الشمس يذيبها!

ومضة قلم

إذا أردت أن تعرف قدر نعم ربي عليك، فاحصِ ما تملك من الذي لا يشترى بمال!

عذب الكلام

صغيرٌ يشتهي الكبرَ وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا

وخالٍ يبتغي عملاً وذو عملٍ بات ضَجِرا

وَرَبُّ المالِ في تعبٍ وفي تعبٍ من افتقرا

ويشقى المرءُ مهزوماً ولا يرتاحُ منتصرا

وذو الأولادِ مهمومٌ وطالبهم قد انفطرا


[ماذا يريدون؟ د. خالد المنيف]