الموت سنة الحياة، وفقد المحبين أمر لا بدَّ منه؛ فقد رحل معالي د. عبدالرحمن السويلم في يوم الجمعة 18 من شهرِ شعبان عام 1447 وصلى عليه جمع غفير بجامع الملك خالد (رحمه الله)، والعزاء في موت المسلم أنها دنيا نودّعها، وكل من سار فوق الأرض مرتحلُ
“لبس [أبي سعد (رحمه الله)] فأسبل، وليس في إسباله مأخذ أو مأثم، إذ ارتدى جملة من المكارم فهي له ليست مثل الملابس التي لا يستغني عنها إنسان البتة في الخلوة والجلوة، وإنما أصبحت إهابًا ملتصقًا به لا يتغير. ولم يكتف صاحبنا السامي بحب مناقب الخير، وسلوك سبل الإحسان، ولم يركن لجريانها في أمشاجه، وتوارثها عن أسلافه، وإنما جعلها مثل الكائن الحي الملازم لشخصه، والتابع لظله، وأسس لها في برنامج حياته منذ زمن مبكر سابق على مرحلة التقاعد؛ ليقضي معها خواتيم العمر…
لم يكن الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم (رحمه الله) استشاريًا بارعًا في طب الأطفال فقط، ولا طبيبًا منتجًا في جمعيات علمية وتخصصية، ولولا صوارفه الكثيرة لكان من الباحثين الكبار حسبما تثبت أبحاثه المنشورة التي تناهز الثلاثين. وأيضًا لم يكن مسؤولًا كبيرًا وفاعلًا في أجهزة صحية عامة علاجية وإسعافية فحسب، ولا عضوًا نبيلًا في مجلس الشورى لا غير، بل [كان نموذج] هو أبعد من ذلك غورًا، وأعمق مقصدًا، وكم في المجتمعات من فرص سانحة لمن أراد التأثير والنفع، سواء بكثير متنوع مثل أبي سعد، أو حتى بالقليل والمحدود؛ ذلك أن الحسنة مع أختها، تصنع مجتمعًا عظيمًا، ولو منحنا التقدير لأيّ عمل طيب مهما كان حجمه، فسوف تتكاثر أمثالها، ويتقاطر الناس على أضرابها، لترسيخ الخيرية، وتوكيد العراقة، وكم على ظهر الأرض من سعة ومخارج لمن رام المسير برشد وإحسان، ولو اضطر للحراك خطوة خطوة…
دونكم هذه القصة التي توضح شيئًا من همة [د. عبدالرحمن السويلم]، ونهمه الخيري، ومنهجه العملي، وتربيته؛ إذ أخبرني صديق من إحدى المدن الحدودية أنه زار د.السويلم في مكتبه، لمشاورته في إنشاء جمعية طبية خيرية بعد أن كانت لجنة منبثقة من جمعية البر، ويتبع ذلك طلب إذنه لنيل رئاسته الشرفية. وبعد أن أسدى د.عبدالرحمن نصائحه العملية والمؤثرة للزميل، قال له: سأكون عضوًا معكم وليس رئيسًا شرفيًا فذلك أجدى! فذهل الزائر الذي ما كان يتوقع موافقته لانشغاله. وبعد أسبوعين من ذلكم اللقاء، وصل السويلم للمدينة بسيارة يقودها سبطه، واتصل بصاحبي الذي كان في مكة حينها، فوقع في حرج، لكن أبا سعد هون الأمر عليه، وقال: جئت بلا موعد حتى لا تتكلفوا، وحضر معي ابن بنتي ليتعود على فعل الخير ويرى التطوع وأهله، ثمّ جلس مع مسؤولي الجمعية، وأعطاهم بعض التوجيهات للجمعية الجديدة التي نشأت عقب ذلك ونشطت وصار لها أعمال ومنجزات، وزارها د.السويلم ثلاث مرات كي يقف بنفسه على أعمالها نصحًا لها وللبلد، وقياماً بواجب المسؤولية.
والتاريخ يحفظ للدكتور عبدالرحمن السويلم آثاره الميمونة في تأسيس وتمكين وتنشيط وإدارة أعمال وجمعيات مثل: الدبلوم العالي في طب الأطفال، والرعاية الصحية الأولية، وجمعية الأطفال ذوي الإعاقة، والجمعية الخيري لرعاية الأيتام “إنسان”، وجمعية عناية الصحية، وجمعية الحج والعمرة الصحية، وجمعية التوحد، والمركز السعودي لزراعة الأعضاء، وجمعية طب الأطفال، وجمعية البرهان لخدمة السنة والقرآن، وعضوية مجلس الشورى لثلاث دورات، إضافة لأعمال مجتمعية وتاريخية وتراثية جليلة، واجتذاب سروات المجتمع لهذه المؤسسات وللعمل الخيري والمجتمعي، وهذا شيء من حسنات هذا الرجل الفذ الموفق، الذي حظي بمكانة رفيعة لدى الملك فهد، والملك عبدالله -رحمهما الله-، وعند الملك سلمان -حفظه الله-(*) “.
نسأل الله لأبي سعد بالرحمة والمغفرة، ويرفع درجاته في عليين، وخالص تعازينا لأسرته الكريمة وأسرة السويلم جميعاً. وعزاؤنا فيه أن أعماله المجتمعية الخيره ستبقى ذكرى حسنه ونسأله سبحانه أن يجازيه بها خيراً في الآخرة.
(*) من “سير وأعلام” تحت عنوان (عبدالرحمن السويلم: نسمة تسري وسارية تسمو!) للاستاذ أحمد بن عبدالمحسن العساف.
