هل تأملت في حياتك نهراً؟!

  • — الخميس سبتمبر 26, 2024

ذكر الروائي الفرنسي “أندريه موروا” قصة رسام مغمور لم يستطع بيع لوحة واحدة من لوحاته،

فزاره صديق له صحفي، فرقَّ لحاله البائس، وأشار عليه أن يدعي ابتكار أسلوباً جديداً في الفن، ويسميه: “الطريقة النفسية التحليلية”؛ وقال له:

‘هل يمكنك أن ترسم لي بعض اللوحات التي تحوي كلاماً فارغاً؟ مثلاً، امرأة جميلة وحولها أوراق مالية كناية عن حب المرأة للثراء. أو رجلاً بديناً متأنقاً حوله دموع ودم كناية عن أغنياء الحرب. هل تستطيع ذلك؟ ‘

فرد: بالتأكيد.

فقال صديقه الصحفي: إذن نفذ عشر لوحات بهذه الطريقة، وسوف أكتب أنا مقالاً عن طريقتك العبقرية، وعن معرضك المقبل.

أنجز الرسام البائس لوحات الكلام الفارغ في ليلة واحدة، وجاء يوم المعرض الذي كتب عنه الصحفي، واحتشدت الجمهور لترى أسلوب الفن الجديد؛ وطبعا كان هناك عدد من النقاد، فقال الصحفي للفنان: ”لا تقلق، فكلما سألك أحدهم عن معنى (الطريقة النفسية التحليلية) اكتف بأن تنفث دخان الغليون في وجهه، وقل: “هل تأملت في حياتك نهراً؟ “، وسيتظاهرون بأنهم فهموا المغزى؟!

اتبع الرسام المغمور التعليمات، وكلما التف حوله نقاد أو صحفيون، وسألوه عن مغزى أسلوبه الفني، نفث الدخان في وجوههم، وقال: ”هل تأملتم في حياتكم نهراً؟ ”.

فصاحوا في انبهار: ”هذا صحيح… يا له من أسلوب مبتكر وعبقري!

وبيعت جميع لوحات الكلام الفارغ بثمن باهظ، وأضحى الرسام من أهم فناني باريس؟!

بعد انتهاء المعرض جاءه الصحفي ضاحكاً، وقال له: ‘هل رأيت كيف انخدع هؤلاء بلوحاتك الفارغة، عديمة القيمة الفنية؟

نظر الرسام إلي صديقه الصحفي بازدراء، وقال له: ”هل أفهم من هذا أنك تنتقد أسلوبي الفني المبتكر؛ ” الطريقة النفسية التحليلية”؟

غضب الصحفي، وصاح فيه: ”سُحْقًا لك… لا تصدق نفسك؛ فأنت تعرف جيداً أنه لا يوجد أصلا شيء اسمه “الطريقة النفسية التحليلية”.

هنا نظر إليه بكل غرور ثم نفث دخان “الغليون” في وجهه صديقة الصحفي، وقال له: “هل تأملت في حياتك نهراً؟!”

===

العبرة من القصة باختصار تُعبر عن واقع لبعضٍ ممن قد تراهم حولك من الرُّوَيْبضة التافهين عندما يصدرون ويُلمّعون جيدا، فيعتلون منابر الفعل والتوجيه والكلام، ويهلل لهم الجهلاء والمنتفعون، فيصفق لهم الجمهور!!!

لكن المصيبة في أن هؤلاء “البليدين” ينسون فضل من صدرهم ويتوهمون أنهم قد امتلكوا نواصي الحقيقة، وأنهم أصبحوا عباقرة مبتكرون؛ وإذا ابتليت ونفث أحدهم في وجهك دخان جهله، وهو يتحدث عن معالي الأمور، فتُعتقل داخل دائرة تفاهاتهم، وتُحاصر بالضجيج والجلبة، وتُعتصر نفسياً من العبث اللامحدود، ومن نكد الدنيا أن تُجبر على مجاراتهم، حتى يستهلكوا آخر قطرة وعي، وآخر نبضة صبر، وآخر خيط من الحكمة، فتحاول الفرار إن استطعت، وتُنفِس بقلمك، حين تخلو إليه، فلا تتأمل في حياتك نهراً [.]