تتمثل مفرزات العولمة المعاصرة في سلوك منحى العولمة المركزية، والعولمة المنظمة والمتخصصة، التي إذا جمعت مفردات تخصصاتها شكّلت المساحة المتاحة من العولمة العامة والشاملة التي أوصلت العالم اليوم إلى حالة الاستقاطب والحمائية والانعزالية، ولعلنا نشير إلى بعضها وفق النقاط الآتية:
أولاً: العولمة الاقتصادية:
إن العولمة الاقتصادية، التي يُقصد منها فرض هيمنة الدول الغنية بقصد امتصاص خيرات الدول الفقيرة وثرواتها، ستؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية؛ إذ لا يزال نحو 900 مليون نسمة يعيشون في فقر مدقع، و826 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية، ومليار نسمة يفتقرون إلى مصادر مياه مناسبة، و 115 مليون طفل لا يتلقون تعليمياً، و 10% من مواليد جنوب الصحراء في إفريقيا يموتون.
ولقد جاء التصنيف العالمي للدول بحسب إنجازاتها التقنية كرياح عاتية عرّت حقيقة الأوضاع المزرية والمتردية للاقتصاد في البلاد العربية؛ إذ صُنِّف الدول إلى خمس فئات: القادة، والقادة المحتملون، والناشطون، والمهمشون، والآخرون. ضمن هذا التصنيف؛ ليس بينها بلد مسلم سوى ماليزيا.
بهذه المقاييس؛ فإن البلاد العربية والإسلامية لن تقوى بتاتاً على مقاومة أعاصير العولمة الاقتصادية، على الأقل على مستوى الزمن المنظور، الذي قد يمتد عقوداً، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن دعامات العولمة الاقتصادية أرست ركائزها في أعماق البنى الاقتصادية الدولية من خلال :
- التعميم العالمي لعمليات الإنتاج والتسويق للصناعات الحديثة ذات التقنية الفائقة.
- نمو حجم التجارة الدولية وتنوعها.
- انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود.
- زيادة الشركات متعددة الجنسيات في عددها ونشاطها.
غير أن ذلك كله يعتمد على نحو أساسي على حالة الاقتصاد الأمريكي، الذي بدأت أركانه تتزلزل بسبب المشروع الأمريكي الظلامي، والمتلخص بالسيادة على العالم باستعمال القوى المسلحة الكاسحة تحت شعار (الحروب الاستباقية)؛ للقضاء على التهديد الذي تستحدثه الولايات المتحدة نفسها – إذا لم يكن موجوداً في الأصل -؛ ليكون غطاء لشن الحروب الغاشمة كما حصل على سبيل المثال في أفغانستان والعراق.
يقول الكاتب الفرنسي إيمانويل تود: إن الإمبراطورية الأمريكية أشبه بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تعتمد على الاستيراد الخارجي؛ منها إلى الإمبراطورية السوفييتية التي كانت تعتمد على الاكتفاء الذاتي، فأمريكا إمبراطورية للاستهلاك لا للإنتاج، وحاجتها إلى العالم في استهلاكها أشد من حاجة العالم إليها في إنتاجها.
ولكن في الوقت الذي بات فيه العالم ضرورياً لها لتحافظ على مستوى استهلاكها الإمبراطوري ؛ فإن هذا العالم نفسه لا يقع تحت سيطرتها الإستراتيجية، القبطان الندين لها في مجال الإنتاج الصناعي، وهما الاتحاد الأوروبي واليابان، يبلغ العجز التجاري الأمريكي مقابلهما 60 مليار دولار – على التوالي – فبالتالي لا تجمعهما مع أمريكا علاقة تبعية كما يقضي المنطق الإمبراطوري، كذلك فإن القطبين الكبيرين الآخرين في العالم – وهما الصين وروسيا – يقفان خارج مجال سيطرة واشنطن الإستراتيجية، لاسيما أن روسيا تتمتع باستقلالية نووية تامة، وعندما شعرت أمريكا بعجزها التجاري الكبير مع الصين، وكذلك مخافة أن تطور الصين نوعاً من تكنولوجيا الأسلحة الذكية ؛ عملت على محاربة تصدير التقنية إليها؛ مثلاً تسلّمت وزارة التجارة الأمريكية 1294 طلباً فيما يتعلق بتصدير التكنولوجيا إلى الصين، 72% من الطلبات حصلت على موافقة؛ بينما رفضت وزارة التجارة الأمريكية 28% من الطلبات، وكذلك ستحاول أمريكا تطبيق سيطرتها العالمية من خلال محاولة المحافظة على تفوقها على 72% من احتياطات النفط في العالم، و35% من احتياطات الغاز الطبيعي.
ومن خلال تشكيل هيئات اقتصادية كبيرة، تتمكن بإحكام هيمنتها ونفوذها من السيطرة على أدوات السوق الدولية، ويكفي للتدليل على ذلك بنموذج واحد فقط، وهو نموذج “الاندماج” ؛ فقد ذكر “تقرير الشال الاقتصادي” أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حدثت 3385 عملية شراء واندماج خلال النصف الأول من عام 2002م، وفي بريطانيا نحو 1150 عملية اندماج، وفي ألمانيا نحو 538 عملية، وفي فرنسا نحو 504 عمليات، وفي الصين نحو 452 عملية، وفي كوريا الجنوبية نحو 83 عملية، وفي البرازيل نحو 81 عملية، وفي المكسيك نحو 42 عملية، وبالجملة فإن بيانات تنشرها مجلة الإيكونيميست نقلاً عن dialogic – uk أن عدد عمليات الشراء والاندماج في النصف الأول من عام 2002م قد بلغت 11887 عملية، وبقيمة إجمالية في حدود 645 ملياراً.
إن هذه الشركات الضخمة والبنوك المتخمة تستخدم قواها الاقتصادية في دعم عملية العولمة من خلال التأثير في :
- دخول الدول النامية.
- خطط التنمية فيها.
- ابتزاز اقتصاد الدول النامية من خلال السيطرة على مشاريعها الاقتصادية.
- إضفاء أساليب التغريب على مناهج الحياة فيها، لتقليص أو مصادرة خصوصيتها الوطنية أو الإقليمية؛من خلال إخضاعها اقتصادياً أو سياسياً.
التحدي الاقتصادي الذي يواجه العالم الإسلامي
مع أن الاقتصاد الربوي قد أنشب أنيابه بقوة في كل أنحاء الجسد البشري على المستوى العالمي مبتلعاً في طياته الأفراد والشعوب، سواء منها الإسلامية وغير الإسلامية، إلا أن بعض الجهود – ولو على نحو ضئيل – للتخلص شيئاً فشيئاً من براثن بعض تلك الأنياب الحادة، من خلال المصارف الإسلامية وبعض المؤسسات الاقتصادية القائمة على المنهج الإسلامي في المعاملات المالية، باعتبار أن التوازن الاقتصادي في المجتمع الإسلامي هو أحد المقاصد التي رمت الشريعة إلى تحقيقها.
فالمصارف الإسلامية في ظل إستراتيجياتها السابقة؛ متفردة بهويتها، لا تصدر الأزمات الاقتصادية، بل تقدم منهجاً متفرداً، وتصدر الحلول للمشكلات، حيث تستطيع في ظل إستراتيجية واضحة أن تستأثر وتستأسد بحصة من السوق المصرفية لا يستطيع غيرها ينافسها فيها، وهي:
- شريحة الذين لا يرغبون في التعامل بسعر الفائدة.
- شريحة الذين يرعبون في الحصول على مزايا العمل المصرفي الإسلامي.
- شريحة الذين ينادون بتنمية حقيقية مستمرة تقوم على بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.
إن التحدي الاقتصادي الذي يواجه العالم الإسلامي ذو طابع فريد وحاسم وقوي، وعلى المخططين الاقتصاديين الإستراتيجيين في حكومات هذه الدول أن يجيل النظر جيداً في الأرقام الاقتصادية التي تدق بعنف ناقوس الخطر للزمن القادم، ومن تلك الأرقام على سبيل المثال – ما جاء في بحث بعنوان (العولمة مفاهيم ومقارنة)، حيث ذكر أن:
- 500 شركة عملاقة عابرة للقارات تسيطر على 70% من حركة التجارة العالمية.
- 350% شركة استأثرت بـ 40% من التجارة العالمية.
- 6 شركات تسيطر على 85% من تجارة الحبوب.
- 3 شركات تسيطر على 83% من تجارة الكاكاو.
- 7 شركات تسيطر على 90% من تجارة الشاي.
- 3 شركات تسيطر على 80% من تجارة الموز.
- 358 فرداً يملك الواحد منهم مليار دولار على الأقل ؛ بما يضاهي ما يملكه 2,5 مليار نسمة.
- يوجد في الدول النامية 1,3مليار شخص يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، و11% من سكان الدول الصناعية يعيشون بأقل من 11,4دولار.
- يمتلك أغنى ثلاثة أشخاص في العالم أكثر من مجموع الناتج الإجمالي الداخلي للدول الـ48 الأكثر فقراُ في العالم، فيما يمتلك أغنى 15شخص في العالم أكثر من مجموع الناتج الإجمالي الداخلي لدول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء، ويمتلك أغنى 32 شخصاً في العالم أكثر من الناتج الإجمالي الداخلي لدول آسيا الجنوبية.
- 20% من قوة العمل ستكفي حالياً لإنتاج كل السلع التي يحتاج إليها المجتمع العالمي، 80% ستواجه شيئاً آخر.
- تكلف تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لسكان العالم 13 مليار دولار ؛ في حين تكلف أغذية الحيوانات في أوروبا والولايات المتحدة 17مليار دولار ؛ والاستهلاك السنوي من التبغ في أوروبا 50 مليار دولار، واستهلاك المخدرات يكلف العالم 400 مليار دولار سنوياً، والإنفاق العسكري العالمي يبلغ 780 مليار دولار سنوياً.
- يستهلك كل أمريكي 119 كجم من اللحم سنوياً، والنمساوي 103 كجم سنوياً، في حين يبلغ متوسط ذلك في بنغلادش 3كجم سنوياً؛ وفي الهند 4 كجم.
لا داعي للاستطراد أكثر من ذلك، فما ذكر من تحليلات وأرقام كاف للدلالة على خطورة العولمة الاقتصادية.
ثانياً: عقد مؤتمرات عالمية: منها:
- مؤتمر “البيئة والتنمية”
- مؤتمر “حقوق الإنسان”
- مؤتمر “الإسكان والتنمية”
- مؤتمر “التنمية الاجتماعية”.
- مؤتمرات “المرأة”
- ندوة “البديل الثالث”.
- المؤتمر العالمي لـ”العولمة”.
- مؤتمر “الذهب النازي”.
- مؤتمر “الصحة الإنجابية”.
- مؤتمر ” الشباب”.
- مؤتمر “سفراء الشباب”.
- مؤتمر “العنف ضد النساء.
بالإضافة إلى عدد من المنظمات منظمات بأسماء مختلفة كـ”منظمة اليوم الواحد”، “منتدى الشباب”، “مؤسسة جسر الحياة”.. وغيرها.
ثالثاً: العولمة الثقافية:
هذه العولمة عند تنزيل مفهومها على العالم الإسلامي؛ فإنه يُقصد منها التدخل المباشر في ثقافات الشعوب الإسلامية، وذلك لتحقيق أهداف خطيرة؛ من أهمها:
- تشويه ثقافات “الذاتية التاريخية ” للأمة الإسلامية.
- بث الشبهات في أساسات تلك الثقافات من خلال التشكيك في مرجعيتها الأصلية (الكتاب والسنّة)، ويتضمن ذلك دعماً وتشجيع الفئات الطائفية التي تتبنى في أصل عقيدتها ذلك النوع من التشكيك.
- إضفاء ألوان من القدسية الثقافية على الكُتّاب الذين يختطون ذلك المنهج، سواء باسم الأدب أو الفن أو السياسة أو الاقتصاد أو التربية أو الإدارة أو غيرها؛ إذ تمنح لهؤلاء الجوائز العالمية.
- إقحام المرأة في كل المجالات دون استثناء؛ بقصد استغلالها باسم الثقافة والفن لتكون أداة ميدانية لتطويع الشعوب الإسلامية للهجمة الثقافية الغربية. ويتجسد ذلك أكثر ما يتجسد ببث ما يُسمّى (بثقافة الجنس)! التي تتضمن استغلال صورة المرأة، والحديث عن جسدها، وإبراز مفاتنها، سواء في الكتب، أو الصحافة، أو المجلات أو المحطات أو الإعلانات أو الندوات أو غيرها، ويدخل ضمن هذا الهدف إلهاء المرأة المسلمة بأمور خارج منزلها بغية عزلها عن هدفها الأساس، وهو تربية الأجيال.
- تغليب المنتج الثقافي العلماني والليبرالي والقومي على المقابل الإسلامي؛ ليكون ذلك المنتج هو الصبغة العامة المؤثرة في ثقافة الشعوب الإسلامية، ولا سيما فيما يتعلق بالأخلاق والسلوك؛ فضلاً عن الأفكار والمعتقدات.
- تغيير المناهج التعليمية في البلاد الإسلامية، وذلك باستغلال ما بقي فيها من آثار ضعيفة تذكّر الطالب المسلم بدينه وتاريخه.
- تذويب المجتمع المسلم في بحر الثقافة الغربية، ولا سيما ما يتعلق منها بالإسفاف المادي والانحراف العقدي والترهل المعنوي، مع محاولة عزله عن الثقافة ذات المردود الإيجابي والاتقاء الحضاري والبعد الإستراتيجي.
- الاستحواذ على الطاقة المعرفية في العالم الإسلامي؛ بربطها بالثقافة العلمانية، وذلك لتحقيق غايتين : الأولى : حرمان المجتمع الإسلامي من تلك الطاقات. والثانية: استغلالها في المساهمة في بناء الكيان الحضاري الغربي.
- وباعتبار أن العولمة الثقافية لا تنفك في حركتها عن باقي مكونات العولمة (أي العولمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والتربوية وغيرها)، باعتبار أنها من أهم تلك المكونات وأبرزها؛ فإن نجاح العولمة الثقافية في التغلغل في المجتمع الإسلامي سيسلكه قسراً في باقي مكونات العولمة، بل يجعله جزءاً فاعلاً ومؤثراً في تحقيق غاياتها، وعاملاً رافداً في منظوماتها.
- إدخال العالم الإسلامي في بوتقة الحركة الثقافية العالمية؛ بما تتضمنه من مفهومات مصطلحية ذات طابع جماهيري كالديمقراطية، أو طابع عقدي كالعلمانية، أو طابع انعتاقي كالليبرالية، أو طابع انتمائي كالوطنية والقومية.
ومن خلال سبر أغوار تلك الأهداف العشرة؛ نستطيع أن نفهم كثيراُ من العبارات التي يسوّقها المفكرون الغربيون؛ من مثل قول “مايكل هيوارد”: “إنَّ الافتراض الغربي السائد الآن يشير إلى أن التنوع الثقافي ليس إلا ظاهرة تاريخية عابرة، سيتم القضاء عليها بسرعة؛ جرّاء نمو ثقافة عالمية مشتركة ذات توجهات غربية، وناطقة باللغة الإنجليزية”، ومن مثل إطلاق “ماكلوهان” مفهوم “القرية الكونية” على العالم. وكذلك نستطيع أن نفهم ونفسّر علمياً وموضوعي ما ذهب إليه “صامويل هنتنجتون” في كتابه (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي)، وما ذهب إليه “فرانسيس فوكو ياما” في كتابه (نهاية التاريخ).
رابعاً: طمس هوية الشعوب وتشويه عقائدها وثقافاتها وتاريخها:
وهذا هدف أصلي من أهداف العولمة، وتوجّه رئيس في وضع خططها وبرامج تنفيذها، والنماذج على ذلك كثيرة وتكاد ألا تُحْصَى، فمنها دراسة للدكتور “جاك شاهين” أستاذ علوم الاتصال الجماهيري بجامعة ألينوي الأمريكية، رصد فيها نيات الإعلام الأمريكي تجاه الإسلام والمسلمين من خلال تحليل مضمونه خلال عشرين سنة مضت.
يرى الدكتور شاهين أن صورة العربي المسلم في الذهن الغربي، يمكن تلخيصها بعبارة “الآخر الثقافي الخطير” الذي يهدد محاولات الانفراد الأمريكي بقيادة العالم بعد انهيار الشيوعية، ومن توابع هذه العبارة أن يكون مصطلح “الجهاد” و “عدم التسامح” و “اضطهاد المرأة” في الرواية الغربية مرادفاً لـ”كراهية الآخر” و “للتعصب” و “والعنف”.
وتصور وسائل الإعلام الأمريكية العرب الأمريكيين أنهم “غرباء” ويشكلون “خطراً على الأمن القومي”، وأنهم يقفون جنباً إلى جنب مع مهربي المخدرات والمخربين ويؤازرون النشاط الإرهابي.
وتكشف الدراسة أن الإعلام الأمريكي يصوّر المسلمين على أنهم يعبدون القمر، وكرر المستشرق الدكتور “روبرت مدري” مزاعمها في مطبوعات ومحاضرات. وتُخرج المكتبات الأمريكية سنوياً مئات الكتب المعادية للإسلام، وتحمل عناوين مثل “ميزان الإسلام” و “الإسلام الملتهب” وكذلك مقالات تحت عناوين مثيرة مثل “جذور التعصب الإسلامي” و “الإسلام قد يكتسح الغرب” و “الحرب الإسلامية ضد الحداثة” و “القذيفة الزمنية الإسلامية”.
في الكتب المدرسية كتاب المواد الاجتماعية – المقرر على الصف السادس الابتدائي – يقدم المسلم على أنه: راعي غنم يعيش في الخيام، ويرتدي العباءة، ويتزوج عدداً غير نهائي من النساء ويطلق كما يشاء، ولا همّ له إلا الجنس العنف، ويخطف الطائرات، ويدمر المنشآت! وفي “السينما” يُصوّر المسلم على أنه “إرهابي”.
وأنتجت هوليود، ما بين 15إلى 20 فيلماً أسبوعياً (أي يُعرض على نحو مسلسلات أسبوعياً)، أظهرت فيه صورة بغيضة للعرب والمسلمين في أكثر من 150 فيلماً. وكانت صورة العربي في العشرينيات تاجر عبيد وحشياً، وأصبح في السبعينيات والثمانينيات شيخاً بترولياً، والآن إرهابياً متعصباً يصلي قبل أن يقتل الأبرياء، ففي فيلم “ليس من دون ابنتي” المسلم يخطف زوجته الأمريكية وابنته، ولا يكتفي بسجن زوجته وضربها، بل يحرمها ابنتها. وفي فيلم “أكاذيب حقيقية” وفيلم “القرار التنفيذي” يظهر الفلسطينيون في صورة أناس ساديين يقتلون القساوسة والأمريكيين الأبرياء، ويقومون بتفجير قذيفة نووية قبالة شاطئ فلوريدا، ويعملون لهدم أمريكا.
قصور “العولمة المعاصرة” عن بلوغ غاياتها
رغم كل الجهود والدعم والتأييد من مؤسسات العولمة لم تتمكن العولمة العاصرة من تحقيق غاياتها، وفي إعادة صياغة الهوية الخصوصية للشعوب للأسباب الآتية:
- افتقادها للمنهاج العام الذي يعد مرجعية مكتوبة أو مقننة.
- بشرية منطلقاتها الفكرية (ومفهوم البشرية يتضمن التعدد الفكري، والقصور الذاتي).
- جهلها بالسنن الربانية (مما يؤدي إلى اصطدامها بها).
- اعتمادها على أساسين غير دائمين: قوة النفوذ الغربي، والتقنية الفائقة المعاصرة؛ وكلاهما مهدد بالتقويض.
- الدخول في صراعات كثيرة منوعة مع خصوصيات الشعوب.
- افتقادها للبعد الزمني التاريخي الشمولي؛ مما يلحقها – بالنسبة لكل أمة من الأمم على حدة – بالأمور “الطارئة” لا يستطيع أن “يلغي الجذور التاريخية” للشعوب والأمم.
خلاصة القول .. إن العولمة المعاصرة مثل “تياراً عاماً” كان يدفع إلى الأمام بوسائط تقنية ووسائل أخرى، لكنه لم يكن “مشروعاً حضارياً متناسقاً ومتكاملاً” ولذلك فإن الإخفاق كان هو منتهى طريقها؛ ولعل ما يحدث حالياً من حرب اقتصادية ونهش بين الدول الكبرى هي بداية نهاية العولمة ومؤسساتها الرأسمالية بشكلها الحالي، وبداية عصر من الحمائية التجارية خارج نطاق الاتفاقات والموازين الدولية بسبب مفرزات العولمة؛ فلم يخطر في بال كثير من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة أن تصبح الحواجز التجارية والتعريفات الجمركية على الواردات من دول العالم، تُستخدم سلاحًا في حرب تجارية أطلق شرارتها الرئيس “ترامب” فيما اسماه “يوم التحرير” في خضم انقسامات واستقطابات مفصلية على الساحة الدولية، لقد حولت عملية فرض الرسوم الجمركية أصدقاء العولمة إلى أعداء، ودخل العالم في عصر القرى الواحدة، والانعزالية (أو التقوقع) كسمة جديدة قد تلقي بظلالها القاتمة على دول العالم [.]
ملخص من عدة مصادر.